لا وجود لأسطورة الرجل النقي الذي يحتفظ بنقائه في وسط الذئاب. شيئاً فشيئاً تتحول من المدرس المقهور الفاقد لأي تقدير إلى رجل ذي شأن في عالم العصابات، خطوة خطوة ودون أن تشعر تبدأ في التخلي عن هدفك الأساسي الذي قادك لهنا منذ البداية، والمبلغ الصغير الذي كنت تفكر في جمعه …

تخيل أنك رجل ذو ذكاء حاد، وأنت كذلك تملك مؤهلاً علمياً مرموقاً، زملاؤك الأقل موهبة يتبوأون أعلى المناصب في الجامعات والشركات، أنت رغم كل شيء قانع بحياتك، تحاول أن تبدو سعيداً بأسرتك الصغيرة التي تحبها. لا شيء يبدو مبهجاً لكن الحياة محتملة رغم كل شيء، والحمل الثقيل على كاهلك يخفف من وطأته الحديث الدافئ على العشاء مع أسرتك التي تحبها وتحبك. لكنهم رغم حبهم وتقديرهم لك لا ينظرون لمواهبك بجدية، لا أحد ينظر لك كشخص مميز قادر على لفت الأنظار أو صناعة التغيير، أنت الشخص الذي لا يستشار غالباً، ويجلس صامتاً في الاجتماعات العائلية، ولا يكاد يفتقدك أحد في حال حضرت أو تغيبت.
تخيل أنه رغم كل هذه الصعوبات التي تحاول أن تتعايش معها، تفاجأ بأنك مصاب بمرض خطير -لا قدر الله- مرض لن يمهلك طويلاً قبل أن يستولي على جسدك ويرسلك للعالم الآخر، يتمتم لك الأطباء بصوت منخفض بأنه ليس أمامك سوى أشهر قليلة، وأن العلاج في حد ذاته مرهق جداً، ويكلف كثيراً من المال، المال الذي لا تملكه أصلاً.
هنا تقع في دوامة الحيرة، أمامك أشهر قليلة قبل أن ترحل عن الدنيا، هناك أسرتك التي لا عائل لها سواك، زوجتك وابنك المراهق وجنين صغير في طور التشكل لا تعرف إن كنت ستعيش لتراه أو لا. أنت غارق لأذنيك في بحر الديون بالفعل، إذن كيف سيكون الحال لو رحلت عن الدنيا، ما هو مصير الأسرة الصغيرة بلا سند ولا عائل أمام جيش من الدائنين الذين يطالبون بأموالهم؟
أنت غارق في أفكارك تلك وسط اجتماع عائلي، لم تصارحهم بعد بأخبار مرضك، صهرك الضابط في مكافحة المخدرات يتباهى بصورته على شاشة التلفاز وهو يداهم مقراً محلياً لتصنيع نوع من المخدرات، تفاجئك صورة الأموال الهائلة التي وُجدت في المكان، تسأل صهرك في عفوية، هل صناعة ذلك المخدر تدر كل هذه الأموال، يهز رأسه بنعم ويدير رأسه ليتابع حديثه المتباهي.
تتشكل الفكرة في رأسك، أنت مدرس كيمياء عبقري، لكن عبقريتك مهدرة في تدريس طلاب مراهقين آخر اهتماماتهم معرفة أنواع الأحماض أو تفاعلات الهيدروجين، من عجائب الصدف أن هناك طالباً من طلابك القدامى متورط في سوق تصنيع المخدرات، تقرر أن تقوم بزيارته، تعرض عليه أن تساعده في تصنيع نوع نقي من المخدر مقابل المشاركة في جزء من الأرباح، كل ما يدور في ذهنك هو الرغبة في جمع شيء من المال قبل أن ترحل. مبلغ بسيط يكفي لسداد الديون وتوفير شيء لأقساط الدراسة، يتشكك طالبك السابق لكنه يوافق في النهاية، وتبدأ العجلة في الدوران، لتدخل عالم الجريمة من الباب الخلفي، كنت تعتقد أنك لن تتورط كثيراً، فقط ستعطي إرشادات بسيطة وتجني بعضاً من المال السهل، لكنك ستكتشف أن عالم الجريمة أكثر تعقيداً مما تظن، وأنه لا وجود لشيء اسمه المال السهل، وأنه لا يوجد أحد يدخل ويخرج بسلاسة من هذا الباب، لا وجود لأسطورة الرجل النقي الذي يحتفظ بنقائه في وسط الذئاب. شيئاً فشيئاً تتحول من المدرس المقهور الفاقد لأي تقدير إلى رجل ذي شأن في عالم العصابات، خطوة خطوة ودون أن تشعر تبدأ في التخلي عن هدفك الأساسي الذي قادك لهنا منذ البداية، والمبلغ الصغير الذي كنت تفكر في جمعه لم يعد يساوي شيئاً أمام المعارك الكبرى التي صرت تخوضها ضد منافسيك من زملاء المهنة، وحروب الحياة والموت التي تغشاها كل يوم، لم تعد تخشى الموت خلال أشهر لأنك تواجهه كل يوم، لم تعد الأسرة أو الأطفال همك الأول، لقد تم استدراجك دون أن تشعر إلى القاع، قاع أسوأ العادات والخيالات والمشاعر التي كانت محبوسة داخلك، لقد حررت كل تلك الوحوش لتتحول أنت ذاتك إلى وحش كاسر لا يردعه شيء ولا يحتكم لأي مبادئ أو أخلاقيات، وحش قادر على الكذب والقتل والتدمير بدم بارد ودون أن يطرف له جفن.
تلك هي قصة المسلسل الأمريكي الشهير Breaking Bad الذي دخل موسوعة جينيس للأرقام القياسية كأكثر المسلسلات إثارة للجدل. وأحد أفضل عشرة مسلسلات في تاريخ التلفزيون الأمريكي.
ولعل أهم أسباب نجاح المسلسل هو قدرته على جعلك تشعر بالذهول وأنت تتابع ذلك الشخص المسكين والمقهور في الحلقة الأولى ولا تكاد تصدق أنه هو ذاته ذلك الذئب المجنون الأشبه بالشيطان الذي لا يسلم أحد من بطشه وجبروته حتى أقرب الناس إليه في نهاية المسلسل.
سينتابك إحساس بالرعب من أنه قد تكون أنت الشخص الذي ربما يتحول إذا ما تكالبت عليه الظروف وقرر أنه لا مانع من تنازل صغير لا يضر، ثم تنازل صغير لا يضر ثم تبدأ سلسلة التنازلات التي لا تنتهي وتصحو ذات يوم لترى في المرآة وجهاً غريباً لا تعرف من هو.
لذا كن دائماً على حذر يا صديقي.. على حذر من نفسك قبل كل شيء آخر!

فراس عالم
كاتب وطبيب أسنان و أطمح أن أكون جيداً في كليهما
نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٩٤٩) صفحة (٩) بتاريخ (٠٥-٠٤-٢٠١٧)