سعد أحمد ضيف الله

سعد أحمد ضيف الله

القناعة التي تفضي إلى السعادة كلمة نسيناها كلياً، لقد أجبرنا على نسيانها، هكذا أراد المجتمع، وهكذا أرادت الحضارة، وقد لا نشعر أن هناك تيارات تعمل في الخفاء، لطمس الأدوار ذات القيم العالية، في هذه الفترة ربما تلاحظون تياراً خفياً وضاغطاً يجبر كل نساء العالم على العمل خارج المنزل، ونحن كذلك انجررنا كلنا مع هذا التيار. دون شك هناك أعمال جليلة تتطلب عمل المرأة في الخارج، ولا ريب أيضاً أن هناك أعمالا أجلّ تتطلب عمل المرأة في الداخل.
الدعوة للخروج هي دعوة اتخذها البشر دون وعي، حتى وصل الأمر بأن تعمل المرأة في أعمال دنيئة، أو تقطع مسافات طويلة جداً نظير راتب متواضع، لهذا تتداخل المهام والمسؤوليات وتتشابك مع بعضها البعض.
في برنامج داوود الشريان الثامنة في حلقة خاصة بالمعلمات السعوديات، اللاتي يعملن خارج مدنهن، ويقطعن مسافات تقدر بمئات الكيلومترات، ويعرضن أنفسهن للمخاطر، في سبيل وظيفة لا تخرج في نهاية الشهر بفائدة تذكر. بل العكس، صرف جهد لأداء في الخارج، مقابل تقصير لأداء في الداخل، والفائدة المرجوة متواضعة. لدي فاصلة قصيرة هنا تقول: إن هذه الوظائف بتلك المسافات لو عرضت على الزوج لما قبل بها، لكنه قبل بها لزوجته، قبل كي تزداد معاناتها.
لنأخذ مثالا معينا لتوضيح فكرة المعاناة: معلمة رياضيات قريب من منزلها مدرسة، يوجد في هذه المدرسة وظيفة معلمة رياضيات شاغرة، تحصل على هذه الوظيفة معلمة رياضيات قادمة من مدينة تبعد 400 كيلومتر، بينما المعلمة القريبة من المدرسة تحصل على وظيفة تبعد عن منزلها حوالي 300 كيلومتر، هل لاحظت الفبركة؟ نعم وهكذا تسير الأمور، تصور هذا التداخل في مملكة مترامية الأطراف. هذه ترضى بالبعد، وتلك ترضى بالبعد، والأزواج والوزارة مستنكفون، هنا فكرة المعاناة.
البرنامج يكشف دون قصد من الشريان مدى هشاشة فكرنا تجاه العمل والأعمال، الوزارة تزيد الطين بلة لهذا التداخل. نعلم أن المقصود من هذا الهلع هو الوظيفة، حتى لو كانت تبعد عن مقر المنزل أكثر من 1000 كيلومتر، والأهم هو الحصول على حياة معيشية مترفة وزيادة في الكماليات ومضاعفة الأرصدة في المصارف، لكن لن يتأتى ذلك أبداً طالما ما زلنا نحمل هذا الفكر.
المعلمة التي ترضى بالعمل خارج منزلها لمدة 12 ساعة ضمنها مسيرة طريق تتجاوز 400 كيلومتر، تخرج الساعة الثالثة فجراً وتعود الثالثة عصراً، علماً أن زوجها يعمل في وظيفة مرموقة، هذه المعلمة وأسرتها ليس لديهم بصيرة، وسيبقى قدرهم يصف حالتهم بالشقاء، فلو حلت عليهم القناعة سوف يحصلون على ما يرضيهم في وقت قصير وخطوات معدودة.
عموماً نستنتج في آخر المطاف أن لا أحد سعيد لعدم القناعة، والزيارات مقطوعة لعدم صفاء الفكر، وكل يريد الحصول على أرزاق لا تخصه، لهذا لا يشعرون بالسعادة، ولن يشعروا بالاستقرار. الوصول إلى الرزق الطيب أكثر سهولة وأكثر بساطة، وفي المتناول، لكن هذا مجرد كشف عن مدى هلع وطمع الناس، والأفواه التي لا تشبع.
يقولون إنها مأساة، وأنا أقول بل هو جشع، يقولون لا توجد فرص، وأنا أقول الفرص أكثر من المتوقع لكن على قلوبهم غشاوة.
فلو حلت القناعة على معلمة الرياضيات القريبة من المدرسة، سيصدر قرار عاجل بتعيينها في المدرسة القريبة من منزلها، لكن لو بقي فاهها فاغراً يطلب مزيدا فستستمر معاناتها هي وأسرتها، لأنها تستثمر جهودها لإنتاج البؤس، والمجتمع لا يسعى لإنقاذ ما تبقى من فرح في حياة البشر، بل لإنقاذ البؤس إن شارف على الزوال، من المؤسف أننا نعتبر القناعة أقل أهمية من أي شيء آخر.
لا داعي لكل هذا، فقط قليل من ترتيب النيات، ثم ترك الباقي على الله (في الغرب يقولون: نوايا ثم تتولى الحياة فعل الباقي) فتتحقق الأعمال. هذه من أسرار وحكم الحياة التي لا تقدر بثمن.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٩٥٠) صفحة (٨) بتاريخ (٠٦-٠٤-٢٠١٧)