إبراهيم آل عسكر

إبراهيم آل عسكر

في جازان فقط، كل شيء يسير إلى الأمام – وأعني الأجهزة الحكومية المعنية بخدمة المواطن ومستواها وبخاصة منذ تولي عراب تنميتها وأميرها صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن ناصر (حفظه الله) دفة قيادتها وتطويرها بقدر يستحق معه الشكر من المنصفين – إلا الصحة؛ فإنها تهرول بمفردها عبثا للخلف!. وللوقوف على حقيقة الأمر لا تحتاج أن تكون على قدر من الحصافة والتمعن الدقيق، فحتى المتابع عن بعد يدرك حقيقة الوضع والسجل الصحي الحافل بالأحداث في جازان من خلال ما ينشر عبر وسائل الإعلام المختلفة بشكل متوالٍ، ومن الوهلة الأولى. أما من جانب الشعور بشقيه (الحسي والمعنوي) فهو من نصيب المواطن البسيط في جازان؛ لأنه ببساطة لا ينتمي إلى الطبقة المخملية التي تملك ملفاً صحي أساساً هنا، وإنما للطبقة الحديدية وفي رواية طبقة الفولاذ المقاوم.. فمن كارثة طفلة الآيباد وما قبلها، مرورا بحادثة حريق مستشفى جازان المأساوية وحيثياتها المخجلة، وكذلك سلسلة الحرائق التي طالت أغلب مستشفيات المنطقة، وصولا إلى حادثة كف الرضيع «منصور» المهددة بالبتر نتيجة حقنة خاطئة واعتذار مستشفى الملك فهد عن قبول الحالة بحجة عدم توفر سرير!. ولأن «الفقير بلا سرير يقبر» كما يردد صديقي المكلوم على فقدان ابنته أثناء نقلها إلى منطقة مجاورة، فيما تشير أصابع الاتهام إلى سرير غائب.. أو كما يقال، السرير بالسرير يذكر، «شكلي بديت أخبص» ما علينا.
لتقريب الصورة لابد من التعريج بالقول على مستشفى الملك فهد المركزي في جازان المُنشأ قبل عقود باعتباره الأول في عقد منظومة المستشفيات الفريد في المنطقة حتى أضحى ملاذاً غير آمن للمريض المحول إليه خاصة في السنوات الأخيرة، فكيف بحال المستشفيات الأدنى في التصنيف؟؛ حيث تقابل معظم طلبات التحويل من المستشفيات الفرعية بما فيها الحالات الموجودة في العناية المركزة بجواب: عدم توفر سرير، وقد أصبحت هذه العبارة أيقونة خاصة بهذا المرفق (المنهك جدا)، وربما لو تم تخصيص جائزة لأكثر منطقة تستخدم مستشفياتها هذه العبارة (عدم توفر سرير) لحصلت عليها صحة جازان بامتياز مع مرتبة الشرف. فيما على الجانب الآخر تقف الهيئة الطبية التابعة لصحة المنطقة بمقر وحيد يتهافت عليه كل من حظي بقبول حالته في مستشفيات الرياض وجدة، واللافت حب الهيئة الزائد للمرضى بتفننها في اختلاق الأسباب التي تجبرهم على المراجعة المستمرة وتعسفهم في آلية منح أوامر الإركاب.. ولا غرابة «فمن الحب ما قتل». ومن بين كل هذا وذاك لاح في الأفق خلال العقد المنصرم بصيص أمل حين قرأ وسمع المواطن في جازان عن مشاريع: مدينة طبية، مستشفى ولادة وأطفال 300 سرير، مستشفى مركزي بسعة 300 سرير في القطاع الجنوبي من جازان وآخر في شمالها، و.. و.. و.. فيما الواقع يفيد بتبخر بعض تلك الوعود والآمال، والبقية الباقية منها لم تر النور حتى الآن، وبقي المواطن بلا سرير – المواطن الفولاذي ما غيره – يواجه ذات المصير «الداكن مش رمادي» إما بتحمل عبء استخراج قروض بنكية للظفر بسرير في مستشفى منطقة أخرى أو البقاء على مضض مفترشا الحصير في سرادق مستشفيات جازان التي تقرأ في مداخلها عوضا عن قوله تعالى «وإذا مرضت فهو يشفين» الآية الكريمة «كل نفسٍ ذائقةٌ الموت»، والسبب سرير غائب!.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٩٥١) صفحة (١٠) بتاريخ (٠٧-٠٤-٢٠١٧)