كيف لنا بمعالجة هذا التعصب وتخفيف التأجيج منه إلى حد كبير، قبل أن أجيب على السؤال هناك سؤال آخر: هل التعصب أصبح ظاهرة؟ أم لم يصل إلى حد الظاهرة، من وجهة نظري إن التعصب أصبح ظاهرة كبيرة لدينا، وزاد بعد انتشار وسائط التواصل الاجتماعي وخاصة «تويتر» «والواتساب»

قبل أن يغضب عليَّ أنصار الفريق الأزرق بأني نعتُّهم بالمتعصبين، فأقول إنني أردت من هذا العنوان مثالاً فقط لما يحدث في مجتمعنا من نعت بعضهم بعضاً في التعصب، وازدياد حالات التعصب الرياضي بين فئات المجتمع الرياضي، وخاصة بعد انتشار وسائط التواصل الاجتماعي وإتاحتها للجميع للتعبير عن آرائهم، مما كرس ذلك ورسخ التعصب حتى وصل إلى درجة كبيرة من الخطورة، وما الأمر السامي الذي صدر وأمر جميع الجهات الحكومية وغيرها بأن تسعى إلى نبذ التعصب، وأن تنذر تلك الجهات من يحاول ترويج عبارات بذيئة تنم عن التعصب الأعمى بين موظفيها إلا دليل على وصول التعصب لدينا إلى درجة كبيرة جداً من الخطورة التي قد تؤثر على لحمتنا الوطنية وتقوض نسيجنا المجتمعي المتلاحم.
التعصب بأنواعه الطائفية والقبلية ممقوت ومرفوض بسبب ما ينتج عنه من تشرذم وتباعد وأحقاد الوطن في غنى عنها، والتعصب الرياضي بين الجماهير له أسبابه الكبيرة أولها القنوات الفضائية التي تقدم البرامج الرياضية وتسمح لضيوفها أن يقولوا ما يشاءون من نقد لاذع وقدح وغيره، وهذا يؤجج الجماهير ويزيد من الاحتقان بينهم في مسائل لا تعدو أنها رياضة، والرياضة كما قيل عنها تنمي العقل، والرياضة فن وأخلاق وإمتاع قبل كل شيء؛ لذلك الابتعاد عن الكلمات البذيئة وعن استخدامها في تلك البرامج الرياضية قد يجعل الأمور أكثر هدوءاً، كذلك اللاعبون عليهم دور كبير في جعل الرياضة تلاحماً وحباً وتنافساً شريفاً من خلال التعامل الجيد بينهم وبين زملائهم في الملعب، كما أن السلام على بعض وتهنئة بعضهم بعضاً بعد نهاية كل مباراة أصبح أمراً إجبارياً لا نراه يطبق عندنا إلا في بعض الفترات، وهذا الأمر يهدئ من التعصب بين اللاعبين وبين الجماهير، طبعاً الرياضة فيها تنافس كبير ولعب وتلاحم، ولكن لا يكون ذلك إلا داخل الملعب فقط، وبعد الانتهاء من المباراة ينتهي كل شيء، ما أعرفه عن أغلب اللاعبين في مختلف الأندية أنهم أصدقاء خارج الملعب ويجتمعون بعد كل مباراة تنافسية، ولا تؤثر عليهم الهزيمة أو الفوز، بعكس بعض الجماهير الذين قد يخسروا صداقاتهم مع بعضهم البعض بسبب مباراة أو فقدان بطولة.
ولعلنا نتساءل كيف لنا بمعالجة هذا التعصب، وتخفيف التأجيج منه إلى حد كبير، قبل أن أجيب على السؤال هناك سؤال آخر: هل التعصب أصبح ظاهرة؟ أم لم يصل إلى حد الظاهرة، من وجهة نظري إن التعصب أصبح ظاهرة كبيرة لدينا، وزاد بعد انتشار وسائط التواصل الاجتماعي وخاصة «تويتر» «والواتساب» الذي أتاح نشر النكت والمقاطع الاستهزائية برؤساء الفرق أو باللاعبين، مما يجعل جماهير الفرق الأخرى تحذو حذوهم عند أول انتصار لهم، وهذا سبب كبير في زيادة التعصب لأن الوصول إلى الآخر أصبح سهلاً وميسراً، حتى أن الصحف أصبح تأثيرها قليلاً بسبب قلة القراء للصحف الرياضية والاكتفاء بمتابعة وسائط التواصل الاجتماعي وما ينشر فيها من تغريدات وتعليقات، ولكن كيف لنا مواجهة التعصب ومعالجته إذا كان ظاهرة؟
التعصب الأعمى أو التعصب الشديد يكون علاجه ومقاومته بنشر الوعي وتثقيف المجتمع بدءاً من المنزل والمدرسة والعمل، مع سن القوانين التي تحكم العملية وتضبطها، عندها نبدأ بنشر الوعي في المدارس وإيضاح مشكلات التعصب للطلاب، وأنها تؤثر على العلاقات الإنسانية بين الناس، وكذلك دعوة اللاعبين وخاصة المشاهير القدماء والحاليين لزيارة المدارس في الفترة الصباحية، والحديث للطلاب عن قرب عن التعصب وأشكاله وأضراره، فإن هذه المقابلات سترسخ لدى الطلاب ما ينقله هؤلاء المشاهير ويستمعون لنصائحهم، فهذا جزء من التثقيف، كذلك الأندية عليها دور تثقيفي كبير من خلال عمل الندوات الأسبوعية داخل النادي وفتح المجال للجميع لحضور تلك الندوات واللقاءات التي يقيمها النادي مع المشاهير ومع رؤساء الأندية الأخرى، وبذلك تركز الأندية على المواضيع التي لها علاقة بالتعصب وتتحدث عنها وتحذر منها، وتجعل الحوارات مفتوحة بين الجمهور والضيوف، وبهذا يخف التعصب لدى الجمهور، أما الابتعاد عن الجمهور فهذا غلط كبير؛ حيث لا يعرفونهم إلا في الملعب أثناء التشجيع ويطالبونهم بالحضور والمؤازرة؛ لذلك الأندية عليها جزء كبير ومهم في نشر الوعي بين الجماهير، فإذا رجعنا إلى ما يكتب على النادي بأنه نادٍ: رياضي ـ ثقافي ـ اجتماعي ـ ترفيهي، فأغلب الأندية لم تنفذ إلا عنصراً واحداً من العناصر السابقة الذي هو الرياضي وكرة القدم فقط وليس جميع الألعاب الرياضية.
ختاماً التعصب من الأمور المذمومة، فيجب علينا مواجهته ونبذه؛ لنكون بلداً خالياً من التعصب الرياضي والفكري والقبلي والطائفي.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٩٥٤) صفحة (٩) بتاريخ (١٠-٠٤-٢٠١٧)