محمود الصحاف

محمود الصحاف

ينشأ العقل البشري مقيداً بما اعتاد عليه في البيئة المحيطة به؛ حيث يكون في بداياته كالإسفنجة التي تمتص كل ما حولها من سوائل حتى تتشبع ولا تتسع لمزيد، وفي حال حُملت هذه الإسفنجة ووضعت في مكان آخر لغرض امتصاص مزيد من السوائل فإنها لن تتمكن من ذلك إلا في حال تم عصرها في البدء وإزالة ما فيها حتى تتسع لمزيد.
ولكن مثال الإسفنجة ليس مطابقاً بالكامل لكيفية عمل العقل البشري؛ حيث إن العقل البشري لديه من الإمكانية الهائلة والرهيبة في تخزين المعلومات وامتصاصها بلا حدود، ولكن ما أشير إليه هنا هو بدء التشكيل للعجينة العقلية التي تكون عبر امتصاص كل ما حولها من مبادئ وقيم وعادات لتتقولب وتشكل النواة الأساسية والقاعدة التي سينطلق عليها حامل هذا العقل مواجهاً العالم بها.
فنظرة كل إنسان لما هو خارج محيطه تعكس كل ما نشأ عليه، فهو يواجه العالم بصحيح لديه قد يكون غير صحيح لدى طرفٍ آخر، أو قد يواجه العالم بحرامٍ لديه قد يكون حلالاً عند طرفٍ آخر، وهذا هو المنوال، فلكل إنسان قالب عقلي تشكل منذ الصغر، وأية محاولة لتغييره رأساً تعتبر ككسر للقالب وليس بتصحيح له، وجميعنا نعلم أن ما يكسر لا يُمكن أن يعود كما كان سابقاً.
كل ما سبق لا خلاف فيه وللجميع حرية العيش على أي نمط يريد ويهوى وبحسب ما اعتاد عليه.. ولكن من دون الإضرار والتعدي على ما نشأ عليه الآخرون واعتادوا عليه منذ الصغر؛ حيث يكون من الواجب احترامهم واحترام كل ما يسيرون عليه.
ولكن بطبيعة الحال تكون هناك بعض العقول التي نشأت على مبدأ تعمد الإضرار بعقول ومبادئ الآخرين، وهذا بسبب تخليها عن كل معانى الاحترام لأي طرف مغاير لها؛ حيث إن ما لديها من صحيح هو الصحيح الأبدي ولا يمكن المغالطة فيه، وما يعرف لديها بالخطأ لا يمكن أن يكون صحيحاً أبداً.
وإلى هذه المرحلة لا يمكن إلقاء اللوم بالكامل على حامل مثل هذا العقل؛ لأنه ليس مسؤولاً عن تمكن مثل هذه المبادئ من عقله، فقد وجد نفسه عليها وحملها كما حملها كل من حوله وسار عليها.
لذلك تكون هناك صعوبة في إنارة هذه العقول؛ لأنها ليست بسهولة وضع أعمدة إنارة في طريق دامس الظلام وتنتهي المشكلة، بالعكس تماماً مثل هذه العقول تحتاج في البدء إلى تحرير القالب العقلي بالكامل من كل ما فيه من تراكمات حتى تكون هناك إمكانية من الوصول إلى النواة وتنقيتها بالكامل من كل الشوائب والسموم الضارة التي وجدت طريقها إلى الداخل عن طريق ما يسمى بالعادة وتحويل العقل من أن يكون فقط حاملاً لمبدأ إلى عقل لديه الإمكانية في صنع مبدأ واختيار الأنسب إليه لمواصلة العيش عليه.
من الصعب جداً تحرير عقل الإنسان من أفكار بيئة قد اعتاد عليها واستحوذت عليه فترة طويلة من الوقت، ولكنه ليس بالأمر المستحيل، فنحن كبشر نسير على ما سار عليه من سبقنا، ولا بد لنا من ذلك، ولكن هناك مرحلة وجب علينا فيها إعمال العقل كما أمرنا به الله جل جلاله.. ولكن بعض العقول تأبى أن تكون حرة طليقة وتطالب بالحرية.
«الحرية ليست في أن يكون لديك جناحان.. الحرية في أن يكون لديك عقل يمكن من خلاله تحريك هذين الجناحين».

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٩٥٤) صفحة (٨) بتاريخ (١٠-٠٤-٢٠١٧)