يتفوَّه بكلماتٍ كمشاهير ومشهور وشهرة أطفالٌ ومراهقون وكهولٌ من الجنسين بجرأةٍ مستفزَّةٍ اجتماعيّاً وثقافيّاً، وكأنَّما الشُّهرة مطلبٌ مهما كانت أساليبُها ووسائلُها وانعكاساتُها على طالبيها وعلى مجتمعاتهم وأوطانهم، فاندفعتْ وسائلُ التَّواصل الاجتماعيِّ ووسائلُ الإعلام التقليديَّة والقنواتُ الفضائيَّة لتأكيد هذه الظاهرة الاجتماعيَّة والثقافيَّة إعلاميّاً وبأسرع ممَّا يتصوَّرُه الساعون إليها، مستثمرةً ميلَ الإنسانِ لحبِّ الحمد والثناء والإطراء بانتشار صِيتِه، فالنفسُ توَّاقةٌ إلى أن يشارَ إليها بالبنان ويكونَ صاحبُها مدارَ أحاديثَ النَّاس ووسائل الإعلام.
يعرَّفُ المشهور بأنَّه الشخصُ المعروفُ بين النَّاس لتميُّزه بشهرةٍ واسعةٍ محليَّةٍ أو وطنيَّة أو عالميَّة، فيحظى صاحبُها باهتمام وسائل الإعلام، ويَتَدَاول مستخدمو خدمات الشبكات الاجتماعيَّة أخباره، وغالباً ما ترتبط شهرتُه بمجالات الفنون أو الإعلام أو الرياضة أو السياسة أو العلوم أو الفكر، وقد يكون سببُها عملاً خارج ذلك لافتاً لانتباه الناس، أو ظهوراً في حدثٍ يثير اهتماماتِهم، وينقسم المشاهير لفئتين، فئة بشهرة قصيرة المدى ترتبط بأحداث معيَّنة تزول بزوالها، وفئة بشهرة طويلة المدى أو دائمة تأتي متدرِّجةً وتاليةً لمنجزاتٍ تدوم بدوامها في ذاكرة الناس.
يرغبُ الأفرادُ بأن يحقِّقُوا نجاحاتٍ في حياتهم تميِّزهم في مجتمعاتهم أو في أوطانهم أو في العالم ويسعون لذلك، فيلبُّون بذلك حوافزَ التميُّز فالشُّهرة في أنفسهم، جبلةٌ بشريَّةٌ ومساعٍ إنسانيَّة قد يصل إليها الفردُ باجتيازه طريقاً طويلةً وسويَّة وفق قدارتٍ وإمكانات تؤهِّله لذلك تدريجيّاً قد تستغرق سنواتِ عمره أو معظمها، ومثل هذا الفرد غالباً ما سيستثمر في مساعدة الآخرين في مجتمعه أو وطنه أو في العالم ما قد تحقَّق له من نجاحات ميَّزته وأعطته شهرةً اجتماعيَّة وثقافيَّة وإعلاميَّة، وحينئذٍ سيحظى بتقدير وحمد وثناء يدعمه في تأكيد ذاته وبمواصلة نجاحاته، ولكن قد يلجأ أفرادٌ لطرقٍ قصيرة وغير سويَّة من أجل الشهرة أيضاً، وهذا ما يجعلهم يُمْقَتُون ثقافيّاً واجتماعيّاً ويواجهون من العقلاء باستنكار أساليبهم ووسائلهم في ذلك.
وربَّما انشغل فردٌ عن سعيه من أجل التميُّز الذي يعكس شهرةً بمشكلاتٍ ومعوِّقاتٍ ويمضي حياته أو شطراً منها في محاولاته اجتيازها وتجاوزها، ولكنَّه سيظلُّ يأمل أن يتميَّزَ على غيره لو أتيحتْ له مسارات التميُّز، فالتميُّز الحقُّ يكون بالريادة الاجتماعيَّة والوطنيَّة والإنسانيَّة أو بالمنجزات الإبداعيَّة الفكريَّة والثقافيَّة والفنيَّة والرياضيَّة؛ ممَّا تأتي معه الشهرةُ عفويَّةً ودون طلبٍ وسعيٍ من صاحبها يخرجانه عن القيم والمبادئ المرعيَّة دينيّاً واجتماعيّاً ووطنيّاً؛ وهذا هو ما يرقى بالفرد في إنسانيَّته ووطنيَّته ليصبحَ رمزاً وقدوة يوجَّهُ الناشئةُ للاحتذاء به، بل ويمسي وهجاً ثقافيّاً وتربويّاً للأجيال اللاحقة؛ ممّا يجعل شهرتَه محمودةً، ولكن قد تكون ضريبتها ومكتسباته منها منغِّصاتٍ نفسيَّة واجتماعيَّة يتمنَّى معها لو أنَّه يتخلَّصُ منها ومن انعكاساتها السلبيَّة.
إنَّ حبَّ الشُّهرة والظهور الداعي النفسَ المريضةَ إلى تعلُّق القلب بتأسيس بنيانها على شفا جرفٍ هارٍ أو الإعداد لريِّ عطش الشهرة من سراب؛ إذ إنَّ من خصائصها أنها تؤزُّ راغبها إلى المغامرة أزّاً ويُدعى لتبرير وسائله الموصلة إليها دعّاً، وتُسْلِمُه لإعجابه بنفسه ولاعتداده برأيه وإلى اقتفائه غرائب الأمور وشواذِّها؛ فحبُّ الشُّهرة مرضٌ عضال يورث الأنانيَّةَ فتقديسَ الذات والإعجاب بما يقصي معها معرفتَه بعيوب نفسه، وربَّ شخصٍ قد علا في أفقِ الشهرة وحلَّق فيه مجتازاً مسارح النظر، ثم انحدر وتدهور وعفا رسمه فصار أثراً مطموساً، وقد يساق مُشْرئباً إلى طلب الثناء والشهرة وتخليد الذكر فيتعثَّر ليهوي متدحرجاً خارج مرآة الزمان والمكان وذاكرة الإنسان؛ لأن طالب الشُّهرة يظلُّ أسيراً لخوفٍ لا ينقطع ولتخوُّفٍ لا يهدأ.
قال ابنُ خلدون في مقدمته المشهورة: «قلما صادفت الشُّهرةُ والصيتُ موضعَها في أحدٍ من طبقات الناس في أحد مجالاتهم على وجه العموم، وكثير ممَّن اشتهر بالشرِّ وهو بخلافه وكثير ممن تجاوزت عنه الشُّهرة وهو أحقُّ بها، وقد تُصادف موضعَها وتكون طبقاً على صاحبها، وإنَّ أثر الناس في إشهار شخصٍ ما يدخل الذهول والتعصُّب والوهم والتشيُّع للمشهور، بل ويدخله التصنُّعُ والتقرُّبُ لأصحاب الشهرة بالثناء والمدح وتحسين الأحوال وإشاعة الذكر بذلك، والنفوس مولعةٌ بحبِّ الثناء والناس متطاولون إلى الدنيا وأسبابها فتختلُّ الشُّهرة عن أسبابها الحقيقيَّة فتكون غير مطابقة للمشتهر بها».
وحينَ اختلَّتْ كثيرٌ من المعايير الاجتماعيَّة والموازين الثقافيَّة اندفع كثيرون ممَّن لا يمتلكون خصائصَ التميُّز ولا تتوفَّر لديهم أدواته إلى طلب الشُّهرة بأساليب مستهجنة وبممارساتٍ شاذَّة لا يقرُّها عقلٌ متَّزن ولا تزنها حكمة متحكِّمة فركبوا في سبيل الشهرة موجةَ الوعظ المختلق القصص والكرامات، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مناسبات اجتماعيَّة وثقافيَّة، أو الشعوذة بالرقية أو بالعطارة، أو التهريج على أنفسهم والسخرية بغيرهم بتعليقاتٍ وفيديوهات خاصَّة وببرامج فضائيَّة هابطة، أو ارتكبوا في سبيل الشُّهرة العنفَ مع المرأة والطفل والوافد والحيوان فتصدَّرتْ فيديوهاتهم بذلك شبكاتِ التَّواصل الاجتماعيِّ، فذلك يحرق حيواناً حيّاً أو يذبح إنساناً أو يسحق طفلاً بدبَّابة أو يدهسه بسيَّارة أو يلسعه بكهرباء أو بسيجارته، أو يهدر أموالاً للتباهي بسيَّارته أو برقم لوحتها أو برقم هاتفه أو باستخدامها مسرعاً ومفحِّطاً ومستعرضاً، أو بالتباهي بالكرم إسرافاً أو بالشذوذ بقصَّة شعره أو بلباسه المنافي للحشمة أو للتقاليد، أو يصرفها على مزايين الحيوانات والطيور، فيما أولئك يعلمون أو يرون المتضوِّرين جوعاً أو المتألِّمين عوزاً ومرضاً، فأولئك اشتهروا بأساليبهم الشاذَّة والمستهجنة، في حين أنَّ المبدعين في ميادينِهم الجادَّة فكريّاً وأدبيّاً وعلميّاً وفنيّاً يقبعون في زوايا معتمةٍ إعلاميّاً بعيدة عن تسليط الضوء حفزاً وتشجيعاً لهم ولرفع مستوى الوعي والثقافة لدى مجتمعاتهم العربية.

عبدالرحمن الواصل
اختصاصي جغرافية الريف والتنمية، تربوي، نشرت له كتب ودراسات علمية في التربية وفي التنمية وفي الأمن الفكري. شاعر،… المزيداختصاصي جغرافية الريف والتنمية، تربوي، نشرت له كتب ودراسات علمية في التربية وفي التنمية وفي الأمن الفكري. شاعر، نشرت له ثلاث مجموعات شعرية، يكتب أدب الطفل والمسرحية الشعرية.
نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٩٥٤) صفحة (٨) بتاريخ (١٠-٠٤-٢٠١٧)