خضر عطاف آل خضر المعيدي أكاديمي وباحث – جامعة أم القرى

خضر عطاف آل خضر المعيدي
أكاديمي وباحث – جامعة أم القرى

«الا لا الفينك بعد الموت تندبني ** وفي حياتي ما وفيتني حقي»
من المضحك دائماً أنه إذا أتت سيرة أي ميت تجد الكل وبلسان واحد «اتركوه فقد انتقل إلى رحمة ربه» لا أدري ما نوع هذا الانتقال؟ وهل يقدس الجسد إذا تعفن في الأرض ولا يكرم وهو كائن متحرك بين البشر؟
مفهوم خاطئ ما زلنا نعيشه في حياتنا حين لا نكرِّم الأشخاص وهم بيننا أحياء، لا نوفيهم أبسط الحقوق من السلام والتواضع والذكر الحسن، وما يلبث أن ينتقل «إلى رحمة الله» حتى يتغيّر سلوكنا جميعاً مع الميت، فلا نذكر إلا ما حسن من سيرته، وكأن الذي مات هو أحد الأئمة الذين ذاع صيتهم في الأرض بالخير أو كأنه من الذين لم يقترفوا خطيئة أبداً ولم تحدثهم أنفسهم بذلك. فهل كرامة الإنسان لا تقدس إلا إذا مات وليس إذا كان حيا؟ وهل الجثة الهامدة لها قدسية وكرامة أكثر من كونها لو كانت متحركة؟ لو كان كذلك لكانت العقائد والشرائع والفقه للأموات بدلاً من الأحياء، فهم الأجدر والأحق بذلك.. إنها ليست القدسية وإكرام الميت، ولكن إذا مات الشخص انقطع حبل التنافس والحقد والحسد ما بينه وبين البشر، فليس هناك ما يدعو للغيرة منه وليس هناك حيز للبغض بأنه سينال مكاناً أفضل منك وسمعة خيراً منك، لذلك كان من الواجب تقديس هذا الميت لدرجة أنه وفي المقابر لا يداس على عظام ورفات الأموات وفي الحياة «يدوسون على رقبتك» ويستمتعون بهضم أدنى حقوقك. إذا هبّت الرياح أو فاضت الأرض بالماء فكشفت ما ستر من عظام قبور الأموات، هبّ الجميع لتسوير المقبرة ستراً للميت وكتبت عن ذلك حتى الصحف وفي الحياة لا تجد من يسترك ويدفع عنك إجار بيتك أو حتى بتخفيض مبلغ الإيجار، بل يستمتع بسلب كل ما في جيبك تحت مظلة الفهلوة.. أعتقد بأن كثيرين يتمنون الموت المبكر لكي يستمتعوا بامتيازات الأموات التي تمنح لهم من مجتمعهم وهم تحت التراب ولا يجدونها وهم فوق التراب وهو ما تنبه إليه الشاعر المبدع أبو العلاء المعري -رحمه الله- حين قال:
تعد ذنوبي عند قومي كثيرة ** ولا ذنب لي إلا العلا والفضائل
فيا موت زر إن الحياة ذميمة ** ويا نفس جدي إن دهرك هازل
اعتقد بأن الجميع يوافقني بأن الموت هو من يحفظ لك كرامتك ويصون لك عرضك من التدنيس ويصنع منك شخصية لم تلد الأمهات مثلها، عموماً أنا لا أدعوك عزيزي القارئ في التفكير بالانتحار لتعجل حضور الموت لتستمتع بامتيازات الأموات ولكن أدعوك أن تلتفت لنفسك كثيراً وتراجعها بالنظر إلى ما قدمت لجارك وزميلك في العمل أو الدراسة ولصاحب البقالة وللعامل الذي ينظف شارع بيتك وإلى كل فرد تتمنى أن تقول له كلمة طيبه قبل أن يغادر الحياة لعله يطير بها فرحاً قبل أن يرحل وهو لم يسمع منك مثل هذه الكلمة أو غيرها من العبارات التي نفتقد قولها لمن حولنا بسبب الحقد والغيرة والاستعلاء وغير ذلك من أمراض المجتمع، وأحياناً لا تحتاج أن تقول كلمة طيبة فقط جنِّب الناس لسانك وسوء خلقك، فتكون بذلك قد قدمت خدمة رفيعة للإنسانية.. وقد قيل سابقاً «الابتسامة أقل تكلفة من الكهرباء لكنها أكثر إضاءة».
رحم الله الأحياء قبل الأموات فهم من يستحقون الرحمة كثيراً خصوصاً بعد موت المشاعر والأحاسيس في أغلبهم وبقاء الأجساد خاوية بَلْقَعٌ لا تمتلئ إلا بالمصالح، فأينما اتجهت بوصلة المصلحة اتجه الفرد معها حاملاً كل مشاعر الدفء والحنان لتقديس ذلك الحي لينال بذلك الحظوة لديه.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٩٥٧) صفحة (٨) بتاريخ (١٣-٠٤-٢٠١٧)