الحزن يخيم على ساق الغراب بعد مغادرة طبيب المستوصف، مرد ذلك لكون الطبيب فريدا ليس بعلمه ولكن بتعامله، فقد عمل لسنوات «سبعة في واحد» (طبيب، وصيدلي، ممرض، فني مختبر، فني أشعة، ومضمد للجروح، وقد يذهب إلى المريض في بيته) أما حزنهم الأكبر فهو على ضياع -عفواً- غياب نظام الرعاية الأولية! وفي خضم الأحزان قام كبير القرية (يشاع أنه محسن كريم، ويشاع أنه خبيث لئيم والله أعلم)، ومن منطلق تخفيف الأحزان ومواساتهم لغياب الطبيب جلب أدوية مغشوشة تحت مسمى فيتامينات ومقويات متبرعا بها لمستشفى ساق الغراب، وخلال أيام تم إدخال المدير مع حرمه المصون و19 شخصاً من حاشيته للمستشفى بسبب تسمم دوائي، ولم يصب أحد من المرضى المنومين أو المراجعين المحتاجين بأذى! أهالي ساق الغراب حاولوا التعامل مع الأحداث بصبر ورباطة جأش، لكن «المصائب لا تأتي فرادى كالجواسيس، بل سرايا كالجيش» كما يقول شكسبير، فحدث ما لم يكن في الحسبان بعد أن أثبتت الوقائع قلة التوعية وزيادة الجهل بالطب والدواء، فقد تفاجأت مريضة بنفسها محاصرة بسرب من الفئران في غرفتها، الأمر الذي دعاها وأخريات إلى طلب الاستغاثة من عاملات النظافة وخروجهن من الغرفة على وجه السرعة رغم وضعهن الصحي، تم القضاء على أحد عشر فاراً، ولاذ عدد كبير بالفرار، المضحك أن فرق مكافحة الحشرات والقوارض باشرت المواقع، والمبكي عند سؤال الأهالي قالوا: سمعنا عن العلاج بالليزر وبالنانو ولكن لم نسمع بالعلاج بالفئران، مرددين: لسنا الوحيدين من يجهل هذا، حتى منسوبو المستشفى يجهلون هذا النوع من العلاج، وإلا لما حاربوا فئراننا المساكين! الحمد لله.. قضاء أخف من قضاء، ومن رأى مصائب الناس هانت عليه مصيبته، وتستمر الحياة.. ضاقت فلما استحكمت حلقاتها مات المريض.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٩٥٧) صفحة (٤) بتاريخ (١٣-٠٤-٢٠١٧)