التقدم الاقتصادي يتطلب حرباً شرسة على الفساد المالي والإداري، حتى وإن طال المنصب الأول الرئيسة التي تعتبر أول امرأة تتبوأ هذا المنصب وأول رئيس يتعرض للعزل والسجن في تاريخ كوريا الجنوبية الحديث

أخيراً، رئيسة كوريا الجنوبية، «باك غيون هيه» تتسلم عهدة السجن وهي عبارة عن بطانية ولباس موحد وصينية وصحن للطعام. تقبع الرئيسة في زنزانة لا تتجاوز مساحتها عشرة أمتار مربعة في مركز الاحتجاز في العاصمة سول، حاملة الرقم 503 بقرار من المدعي العام بعد أن وجهت لها مجموعة من التهم أهمها الاشتباه في قبولها رشاوى واستغلالها السلطة والإكراه وتسريبها أسرار دولة. لكن السبب يكمن في صديقة الرئيسة وإحدى البطانات الفاسدة. الصديقة هذه تدعى شون سون-سيل، التي تحاكم للاشتباه في استغلال نفوذها، كصديقة للرئيسة، وإجبار الشركات الكبرى على التبرع بنحو 70 مليون دولار لمؤسسات مشبوهة تشرف عليها. الصديقة تسكن في زنزانة قريبة من زنزانة الرئيسة، وكذلك يقبع وريث إمبراطورية شركة سامسونج لي جاي يونج ومسؤولون كبار.
في مقال سابق تحدثنا عن قرار البرلمان الكوري بتجميد الرئيسة عن أداء مهامها حتى ينتهي التحقيق في تهم الفساد التي تكاثرت وبدا أعضاء الجمعية الوطنية يعدون عليها نواة التمر الذي تضرسه. فبينما كان التحقيق يجري مع صديقة الرئيسة، كان أحد أعضاء البرلمان كيم سانج يفجر قضية أخرى تتمثل في شراء القصر الرئاسي 364 قرصاً من حبات الفياغرا، وأكثر من 300 حبة منع الحمل، وذلك أثناء الإعداد لسفر الرئيسة في رحلة أخذتها إلى إثيوبيا وكينيا وأوغندا، فضلاً عن اتهامات للرئيسة باستخدام السحر لصرف الأنظار عن ما تقوم به من انحرافات وفساد في الدولة.
هذا الوضع المزري بالنسبة لدولة تمارس الجدية في مكافحة الفساد، قاد المجتمع الكوري إلى التحرك. فقد تشكلت «حركة الشعب الطارئة لإقالة الرئيسة» التي سيرت عدداً من المظاهرات، وهي حركة مكونة من نحو 1500 منظمة مدنية، وعلى رأسهما طلاب المدارس الثانوية والجامعات والأسر الكورية. تحركت الحشود من أمام المدارس والجامعات والميادين العامة في العاصمة «سول» واتجهت إلى طريقها حول منطقة القصر الرئاسي. الرئيسة باك درجت على درء التهم عنها، وسير أنصارها مظاهرات تطالب بالكف عن محاكمتها وتندد بعزلها عن المنصب الأول، وقد تخللت تلك المظاهرات مصادمات سقط فيها قتيلان وجرحى.
الرئيسة باك تنحدر من عائلة عرفت طعم السلطة. فقد كان والدها الرئيس باك تشونج هيه دكتاتوراً، لكنه أراد تثبيت مفاصل الدولة في إقليم ملتهب، وقد قتلته بطانته «المسؤول عن أمنه»، كما تم قتل والدتها قبل والدها. هي بنت العز والدلال، لكنها ابنة المصائب حيث مرت بمراحل عصيبة في حياتها بقتل والديها، وانقلاب البطانة على والدها، ليس لأنه دكتاتور، بل لأنها السلطة باختصار.
هذه التطورات تحدث في كوريا الجنوبية، في وقت تشتعل فيه الجبهات حولها من الجارة الشمالية التي تمارس هوايتها في القيام بالتجارب على الصواريخ الجديدة، بينما تدخل الولايات المتحدة على الخط فتقرر نشر منظومة صواريخ «ثاد» في كوريا الجنوبية قبل نهاية العام الجاري، لتسارع روسيا باعتبار هذه الخطوة «زعزعة لاستقرار المنطقة».
الجدية في مكافحة الفساد وضعت الشركات الصناعية الكبرى في البلاد ضمن دائرة الاتهام بالتواطؤ مع صديقة الرئيسة التي استغلت منصبها لتبتز الآخرين بالتبرع لصناديق يقال عنها خيرية.
تعتبر كوريا الجنوبية ذات الخمسين مليون نسمة، صاحبة الرقم الحادي عشر في الاقتصاد العالمي، وتأتي قبل روسيا وإسبانيا في هذا المجال، والأمية فيها معدومة، بعد أن كانت تشكل 80 % عندما أسدل الستار على الحرب العالمية الثانية عام 1945، وخلال خمسين عاماً تمكنت من بناء البلاد رغم الدكتاتوريات المتعاقبة وحرب الانفصال التي اندلعت في السنوات الأولى من العقد الخمسيني في القرن المنصرم. هذا التقدم الاقتصادي يتطلب حرباً شرسة على الفساد المالي والإداري، حتى وإن طال المنصب الأول الرئيسة التي تعتبر أول امرأة تتبوأ هذا المنصب وأول رئيس يتعرض للعزل والسجن في تاريخ كوريا الجنوبية الحديث.
لا شك أن أمام الرئيسة المعزولة أياماً صعبة في محبسها وهي تعامل كأي سجينة دون أي مراعاة، بل إنها تعتبر عاراً على كوريا إذا أدينت، حيث ينهض الشعب الكوري ليجد له مكاناً بين الأمم المتقدمة، بينما هي تمارس السحر وتشتري الحبة الزرقاء لوفدها الذاهب لإفريقيا وتقرب صديقتها وتسرب أسرار دولتها.
هي كوريا الناهضة من براثن الفقر والعدم وإزاحة المساحة اللازمة لها لتكون واحدة من الدول التي لا تمتلك الثروات الطبيعية لكنها استثمرت في الإنسان أكبر ثروة حقيقية لتصل إلى هذا المستوى من التقدم والديمقراطية بعد عقود من الدكتاتورية والتخلف والفقر والمرض. هذه الدولة أعلنت حربها على الفساد المستشري الذي يؤثر سلباً عليها وعلى سمعتها، فقررت الحرب عليه وعلى كل المستويات بما فيها المنصب الأول، رئيس الجمهورية، لترسل الرئيس للسجن حتى وإن كانت امرأة.
ربما يكون نموذج الرئيسة السجينة هو النموذج الأكبر في العالم المعاصر في الحرب على الفساد ومن أجل الحفاظ على المال العام على مستوى العالم. ما حدث لرئيسة جمهورية كوريا الجنوبية ينبغي أن يكون درساً عميقاً لكل دول العالم الثالث التي تريد أن يكون لبلدانها مكان تحت شمس التنمية الإنسانية الشاملة. إن الفساد آفة وسرطان ينبغي اجتثاثه.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٩٥٨) صفحة (٩) بتاريخ (١٤-٠٤-٢٠١٧)