علياء الموسوي

علياء الموسوي

رغم أنني أكره تصفح الأخبار السياسية التي تجبرني دائما على أن أتبعها في كل مرة؛ حيث تراوغني وتصطف على شاشة هاتفي بإصرار مسبق أن افتحي هذا الخبر، فهي التي تعكر صفو يومي وتقلب مزاجي بشكل كبير، بل جميع من في هذا الكون يشعر بما أشعر بمجرد أن يتلقى هذه الأنباء، ولا أكذب عليكم إن قلت إنني أحاول أن أتجاهلها ولكني لا أتمكن من ذلك، فهي بمنزلة صفعة حارة تختال وجهي.
كيف لي أن أحبب لقلبي مشاهدة ومتابعة الأخبار السياسية التي تعلو على موجات التدمير والقتل والدمار باستمرار لا ينقطع؟، وكأنما وجدنا في هذه الحياة لنعيش صراعات طائفية خانقة تنعدم فيها كل أسس الحوار الراقي ومبادئ التفاهم ومعاني السلمية والمحبة والعطاء، كيف لي أن أتقبل إلغاء الآخر بأساليب العنف والتنكيل والكره الشديد؟
في كل يوم تخترق أسماعنا أصوات التفجيرات والبكاء والعويل من الصغار قبل الكبار ببشاعة تدمي قلوبنا التي أصبحت اليوم لا تذرف دمعة واحدة أو تلبس الحداد يوما واحدا. تبلدت فينا الإنسانية، وأصبح ضميرنا جامداً لا ينطق كحجر. فكم قتيلاً تحصد هذه الأرض؟ وكم جريحاً تئن أوجاعه بخذلان؟ وكم امرأة ثكلت بأولادها الذين لم يبلغوا الحلم بعد؟
الأرواح الملائكية التي ترتفع إلى السماء في كل دقيقة دون سبب أو مبرر في كل بقاع الأرض، صارت لا تختصر مناطق معينة، بل باتت اليوم تتجاوز كل الحدود من مصر إلى الشام إلى باريس إلى تركيا، والقائمة تطول وتزداد يوميا، بلا توقف، بلا رادع حقيقي، وسؤالي: إلى متى؟
إن المشكلة بالفعل ليست في توافر رؤوس الأموال الضخمة التي تمول كل هذه العمليات الإرهابية التي يسميها بعض الأشخاص عمليات استشهادية فحسب، بل في العقول التي تدير وسائل الإعلام اليوم التي تبث من خلال أدواتها سموم الطائفية وتثير كل الخطابات النتنة وتروج إلى مفاهيم تخلو من الرحمة والتسامح الفكري التي يقودها كبار فقهاء الدين، وكما يؤمنون أن لا طريق إلى الجنة إلا عن طريق…!
إن الدين الذي يعتقدون به هؤلاء ليس دين محمد ولا عيسى ولا موسى، إنما هو دين صنعته أجنداتهم وعقولهم المظلمة وقلوبهم المغلقة، التي تفتقر إلى العلم والحياة الطبيعية وهي حق كل إنسان. فعندما يجهل الإنسان قيمته الوجودية والسر الإلهي العظيم الذي خلق من أجله وأهمية التنوع الكوني، من الطبيعي جدا أنه سيتجه إلى طريق دامس جدا، وستكون حياته مملوءة بالملل وقاسية عليه، وبلا ريب خالية من الإبداع والإنجاز والسعادة.
الطريق إلى الجنة ليس بالعمليات الانتحارية، فالرب الذي خلقنا في كوكب واحد وجمعنا في مناطق متعددة، كان أعلم بأن اختلافنا رحمة لا نقمة، فلماذا نحن لا نكون رحماء على بعضنا، ونحن من بعضنا؟، فكلنا من آدم، وآدم من تراب.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٩٥٨) صفحة (٨) بتاريخ (١٤-٠٤-٢٠١٧)