لافي المطيري دبلوماسي سعودي مسؤول الإعلام وشؤون السعوديين في سفارة خادم الحرمين - برلين

لافي المطيري
دبلوماسي سعودي
مسؤول الإعلام وشؤون السعوديين في سفارة خادم الحرمين – برلين

الكل يتفق من سياسيين وغير سياسيين أو حتى رجل الشارع البسيط بأن الدب الروسي أصبح يسرح ويمرح في المنطقة دون حسيب ولا رقيب وأقصد من ذلك الدور العسكري الذي يلعبه في الأزمة السورية بحجة أنه يقف إلى جانب النظام السوري للقضاء على الإرهاب بينما الحقيقة هي مشاركة النظام السوري لتصفية الشعب السوري واجتثاث جذوره من الأرض، والمتابع للمشهد السياسي في منطقة الشرق الأوسط يشعر بأنه لم يعد هناك وجود للقوة الأمريكية ولم تكن هي القوة المسيطرة فيها ولم تعد تلعب دورا مهما في الأزمات في منطقة الشرق الأوسط حتى ولو بدا أنها تقاتل الميليشيات الإرهابية في العراق مثل داعش وجبهة النصرة وغيرهما فإن وجودها مثل عدمها، ولم نر تقدما ملموسا في الانتصار على الإرهاب أو تحقيق أهداف على أرض الواقع في العراق، لذلك فإن وجود القوة الأمريكية في المنطقة ليس بذلك الصخب والبريق الذي يحدثه وجود الروس في نفس المنطقة خصوصا الأزمة السورية، كل هذه المعطيات أصاب ترامب بالدوار، وجعل أمريكا برمتها تشعر بالخيبة وتراجع في مستوى قوتهم العسكرية والشعبية، مما جعلها عاجزة عن فعل شيء أمام الدب الروسي وأيقنت أنها بدأت تفقد هيبتها، وعلى الضفة الأخرى النقيض تماما، تعيش روسيا نشوة لا مثيل لها وأصبحت تدرك أنها المؤثر الوحيد في المنطقة، مما تولد لدى الروس أنهم الحارس المعني (شرطي العالم) والمكلف بحماية الشعب السوري ولعب الدور الأساس في إعادة الاستقرار والركود للمنطقة، من هنا دق ناقوس الخطر وشعرت الولايات المتحدة الأمريكية بأنها عزلت عن العالم ولم تعد ذلك الكيان المؤثر في المسرح السياسي أو العسكري وأنها بوادر الهزيمة السياسية لأمريكا أمام الوجود الروسي «الروسنة العسكرية» في المنطقة، لذلك ووفق المشاهد والمعطيات التي نراها أمامنا التي لا تخفى على كثير من المراقبين بعد الضربة الأمريكية لقواعد سورية في مطار الشعيرات في سوريا، فقد بادرت الولايات المتحدة الأمريكية بعقد اتفاق سري دبلوماسي مع روسيا لفرض وجودها ولو بأكذوبة سياسية يتم من خلالها ضرب مواقع ميتة خالية من الوجود العسكري سواء لروسيا أو للنظام السوري والعمل على إخلائها قبل ساعات من الضربة، وبالفعل تمت الاتفاقية وأمطرت القوات العسكرية الأمريكية «مطار الشعيرات» بـ 59 صاروخا من نوع توماهوك، بعده هلل العرب وكبروا وصفقوا لترامب الذي أرسله القدر لهم للوقوف بوجه غطرسة الروس وإجرامهم في الشعب السوري، وقد يكون هناك من سمى مولوده الجديد باسم «ترامب».
لو أردنا تحليل نتائج الهجوم الأمريكي على قواعد النظام السوري لظهرت لنا الحقيقة المزيفة مثل وضح النهار، أين الخسائر في الأرواح والممتلكات العسكرية؟ أين القتلى من جيش النظام أو الروس؟ التي يعول عليها نجاح العملية العسكرية، هل وصلنا إلى هذا الحد من الغباء لكي نصدق ما نراه من قلب للحقائق والاستخفاف في عقول العرب، الروس والأمريكان من الممكن أن يختلفوا في كل شيء إلا مصالحهم في المنطقة، ما قامت به أمريكا وروسيا معاً هو مجرد اتفاق وهمي من أجل استرضاء وإرضاء الدول الحليفة لأمريكا ومن أجل أيضا تدمير البنية التحتية والموارد البشرية والعسكرية في سوريا، لكي لا تبقى قوة «ولا حتى توازن قوى» في المنطقة خصوصا عربية موازية للقوة الإسرائيلية وتكون في مأمن واستقرار خصوصا بعد القضاء على القوة العربية العراقية ثم تليها القوى العسكرية للدول العربية بعد ثورات الربيع العربي، وأخيرا فإن رسالة أمريكا من تلك الصواريخ الـ 59 هي أنها القوة المؤثرة في العالم اليوم، وأنها تقف أمام الانتهاكات الروسية ضد الإنسانية من قتل وتشريد وإبادة للشعب العربي السوري بينما الحقيقة أنهما كلاهما يشتركان في نفس الجريمة ويحملان نفس الضمير.
يجب على الدول العربية أن تبدأ بالحل من الداخل ولا تنتظر أن تأتيها الحلول من الخارج بالتضامن وتوحيد الصف العربي وتفعيل دور الاتحاد العسكري الإسلامي بأسرع وقت ممكن بعدها تستطيع الدول العربية أن تجابه أعتى القوى في العالم، تماما كما فعلت المملكة العربية السعودية بقرارها الشجاع «عاصفة الحزم» التي أرهبت كثيرا من الدول والمنظمات الإرهابية، والأهم من ذلك أن لا تعود الدول العربية للحل السلمي لأن هذا سيعرضها إلى ضعف موقفها وتراجع طموحها وانتصار عدوها وعدو الشعب السوري بشار الأسد، فلا بد أن يبقى الخيار العسكري مطروحا وتكثيف الدعم العسكري للجيش العربي السوري الحر.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٩٦٢) صفحة (٨) بتاريخ (١٨-٠٤-٢٠١٧)