محمد سعد البلوي

إلى من علمتنا أن الأمومة حضن دافئ، حنان وأمان دائم، عطاء ووفاء، وإيثار بلا مقابل.
إلى من رعتنا صغاراً واحتوتنا كباراً، إلى من علمتنا أن اليتم ليس فقد الأم والأب، اليُتم يُتم القيم والمبادئ، وأن الرجولة والشهامة في العطاء والاحتواء بالمواقف. إلى من عرفت الحكمة بعيداً عن قراءة الكتب، وكانت لنا كتاباً ومرجعاً في خبرة الحياة، علمتنا أن القدرة والقدوة في عمل الخير كل الخير للمحتاج، وأن الوصل والإحسان هو سر السعادة والنجاح في هذه الحياة.
يا أغلى من أحببت.. نعدك بعد رحيلك يا غالية، أن تبقي في ذاكرتنا وفِي وجداننا باقية، وأن تكوني كما كنت دائماً لنا بوصلة الطريق لفعل الخير، والقدوة والقيادة في الوفاء والعطاء والدعاء للغير.
كنتِ لنا نعم الأم والصديقة والمربية الفاضلة، والنموذج في تطبيق قيم ومبادئ ديننا الخالدة، عندما احتوى حضنك الدافئ ثلاث يتيمات شعرن بحبك وحنانك، فقد تربين بين أبنائك، وتزوجن وعندهن من صفاتك وأخلاقك.
إليك أيتها الأم الغالية.. أحن إليك حنين رجل لايزال يحتاجك، ويشعر بمشاعر الطفولة أمامك. أنتِ الذكرى لذكريات كتبناها معاً، فكانت سنواتي وسنواتك.. ستبقين توأم روحي وذاكرتي، كنت قدوتي في حياتك وستبقين كذلك بعد غيابك. كنت ومازلت يا حلوة اللبن، نبض الفكر والقلب مادامت بِنَا حياة، تبقين في ذاكرتنا الكرم والوفاء والعطاء، وقضاء حوائج الناس في الحي وفِي الاجتماع الذي كان يحلو معك وبك كل مساء.
هل تعلمين أنك أم عظيمة وفِي قلوب الآخرين الإنسانة الرحيمة.
أنت أُمة لنا، وللآخرين أُم في مفهوم الكلمة.
أنت أمة لنا وأعظم أم، ربيتنا على مكارم الأخلاق، وأن الرجولة في الكرامة والشهامة وليست بكم المال، وأن عمل الخير باقٍ وغيره لا يبقى ومصيره الزوال، وأن أثمن الثراء.. ضمير ينام صاحبه ويؤمن بلا حول ولا قوة إلا بالله. أمي.. سيبقى الزمان والمكان يحكي حكايتك، وسأبقى أنا وإخوتي مع من عرفك نشتاق لرؤيتك، نحنُّ لصحبتك، نتلهف لسماع دعوتك، نسترجع عطر سيرتك، نحتاج لحكمتك، نستشعر الألم لفرقتك.
أمي.. كم أنت عظيمة في أمومتك.. غاب الجسد عنا، وبقيَت روحك الطاهرة معنا وفِي دواخلنا، أمومتك في رجولتنا باقية، نحنُّ إليك، لدعائك وأنتِ على سجادة صلاتك ساجدة. وستبقى صورة ذكرياتك حتى آخر أيامك، دعواتك حتى وأنت مسجاة على فراشك.
على مدى ستة عشر عاماً، امتحنك الله في الزوج والابن والابنة، وكنت في صبرك وابتلائك لنا ولغيرنا النموذج والقدوة. لم تكوني يوماً تؤذي أحداً، وكنت لنا وللآخرين أماناً وبلسماً.
إليك يا أعظم أم.. العهد والوعد من ابن يتمنى أن يكون البار الصالح الذي يدعو لك في الدنيا، أن تكوني فرحة مستبشرة ومسرورة في جنة الخلد الذي وعد الله بها عباده المخلصين، أن تكوني في عليين مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين مجتمعة بمن تحبين.
أمي.. أعدك.. أن يستمر نبع عطائك، الذي أدخل الفرحة على قلوب من احتاجك، يفيض خيره بعشرة أمثال ما وعد الله به عباده.
أعدك.. رجل جعلت منه قلباً محباً وفياً للمبادئ والقيم، أن أدعو وأعطي مادامت دقات قلبي تنبض بالحياة، وأن أكون معك توأم روح في بقاء الدنيا.. والخلود معك ومع من نحب في جنة النعيم في آخرتنا.
أمي.. أنتِ.. باقية خالدة في القلب.. يا أغلى من أحببت.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٩٦٥) صفحة (٨) بتاريخ (٢١-٠٤-٢٠١٧)