محمد الرياني

محمد الرياني

وجدت نفسي مؤخراً أسيرًا لسحر اللغة بعد قرارٍ مصيري اتخذته بإعلان تقاعدي المبكر من التعليم، كنتُ أفكر في آخر أيام عملي في المستقبل بعد أن وضعتُ أقلام التوقيع في غمدها وماذا ينبغي عليّ فعله في الوقت الطويل بين جدران أعدُّ الخطوط الدقيقة في دهاناتها، بعد التقاعد اكتشفتُ أن السلاح الذي أملكه سيكون خطَّ الدفاع الأول الذي يدفع عني أذى الوحشة والسكون والسبات، هذا السلاح هو سلاح الكتابة واللغة، ومنذ عرفتُ نفسي وأنا مفتون باللغة؛ سحرها وجمالها، كتبتُ على جدران الطين والإسمنت، وكتبتُ على زوايا العشش والغرف، كتبتُ بالفحم والطباشير وأقلام الخط وعلى التراب، كتبتُ على آثار السيارات في رمال الأودية والخبوت، قرأتُ قصص الأطفال صغيرًا وكبيرًا، عملتُ أمينًا للمكتبات، ومشرفًا للثقافة والأدب، عملتُ في دكان صغير فلم أدع قراءة ما كُتب على مواد البيع، كتبتُ على سجل الدكان قصصًا وخواطر الصبا، كل ما كان يتعلق بالقراءة كنتُ شغوفًا به، ولما تقاعدتُ حضرتْ مع تقاعدي كل تلك التفاصيل الجميلة لتؤنس عليّ وحدتي وفراغي، فلم أنشغل بإطفاء الأنوار ووسائل التكييف، أو رفع الصوت أو التفرغ للخصام، حضرتْ معي اللغة حضورًا زاهيًا أشبه بحديقة جميلة أقطف منها كل يوم زهرة ووردة، أو أتذوق ثمرة، هكذا فعل معي سحر اللغة، غاب العمل الرسمي وحضر بستان اللغة لأقطف منه أغصانًا أوقع بأطرافها على أجمل الصفحات.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٩٦٥) صفحة (٨) بتاريخ (٢١-٠٤-٢٠١٧)