عندما سألني أحدهم ما هو الركن الذي لا يتوقف فيه المطر؟ لم يكن الجواب محيرا بالنسبة لي لأنني أؤمن أن لدى كل منا مكانا خاصا يرجع إليه ليبتهل إلى الله فيه ويعمر قلبه بالإيمان وبالذكر في ذلك الركن الخفي الذي ينغرس في الوجدان ويمنح الإنسان القدرة على مواجهة المتاعب والصعاب ومقاومة الظروف والمستجدات في مكان يخلو فيه إلى نفسه ويجلس طويلا ليحدد مواطن ضعفه وقوته والأوقات التي يجب أن ينحني فيها للريح كي تعبر والأخرى التي تتطلب منه الوقوف بصرامة وحزم لمواجهة المتغيرات ووضع النقاط على الحروف. إن هذا المكان يحتوي على عديد من المميزات لكونه يضم صندوق الذكريات والصور التي لا تغيب عن الخاطر، وكأن لكل منا كومة من المعلومات المؤرشفة التي يضعها في هذا الصندوق ليتوارى عن الآخرين ويتذكر ويغيب وحيدا خلف الأفق، وقد يبتسم عندما تحلق بعض الذكريات فوق رأسه وقد يشرد مع نقر عصافير الذاكرة لمواطن التعب في حياته ثم يغلق هذا الصندوق ويعود لممارسة حياته بعد أن فرغ من طقوسه الخاصة.
إن المكان الذي لا يتوقف فيه المطر هو ذاته المكان الذي يعتبر منبعا للإرادة الإنسانية التي لا تقهر، فلكل منا زاويته الخاصة التي يجلس فيها بعيدا عن الأنظار ليحدث نفسه عن كيفية إيجاد التوازن النفسي والفكري والاجتماعي والاقتصادي والبحث عن آلية ترميم ما انعطب من الوجدان وتجاهل إشكاليات الخذلان والمفاجآت التي قد تأتي من مجريات الأحداث أحيانا ومن الأشخاص أحيانا أخرى، فيظل لهذا الركن ميزة الحصول على حالة الاحتواء النفسي والتصالح مع الذات والقدرة الحوارية مع النفس وتعزيزها، فالنفس الإنسانية في حالة عطش دائم للإرواء المطري الذي يخرج من ذواتنا ومن نظرتنا الإيجابية نحو الأشياء ومن خلق مبررات السعادة التي يمكن للإنسان الحصول عليها عندما يتذكر النعم التي ميزه الله بها، وتجاوز حالة الفوضى الذاتية إلى منطقة الاستقرار والخلود إلى حالة التعامل مع الذات بصفتها كائنا حيا يمكن التخاطب معه ومكافأته وتأنيبه وتدليله إذا استدعى الأمر، فهذه المحطة من الإبحار داخل الذات لا تقل في أهميتها عن اللحظات التي ننسجم فيها مع الأصدقاء والأهل وتحويل هذه الزيارة المستدامة باتجاه القلب والذاكرة هي لأهم وسائل تحقيق حكمة الإدراك والقدرة على إدراك الآخر والحوار العميق وتصحيح المفاهيم من خلال بصيص النور الذي يشع من قراءتنا المختلفة لكل ما هو حولنا وحواسنا غير المعروفة المدى التي تنصت لما في دواخلنا وتقرأ ببصيرتنا الفطرية مالا يمكن أن نقرأه في آلاف الكتب، فهذه الزيارة تعزز المناخ المولد لهوية الإنسان والتغلب على مخاوفه والتكيف مع محيطه وعقد مقارنات صادقة بين ما يفكر به وما يعيش أنه الحوار الأخاذ مع الذات الذي يمكن أن يحقق تغذية الروح بالمشاعر النبيلة والمساعدة على الإدراك والمصادقة على معاني الروح في مكان يمطر فيه القلب فيرويها ويسقيها بأشياء لا يمكن أن تلمسها أو تدركها ولكنها تخرج ككل عناوين الطفولة البريئة التي تلقي ظلالها على الحياة وتعيد إليها قيمتها الحقيقية.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٩٦٦) صفحة (٩) بتاريخ (٢٢-٠٤-٢٠١٧)