في أي عملية تقييم لأي منظمة من المهم جدا دراسة الإنجازات بالنظر إلى حجم التحديات والعوائق، هذا يعني أن الإنجاز هو عنوان نسبي، فما يعتبر في ظرفٍ ما إنجازاً قد لا يكون في آخر كذلك، جمعية القطيف الخيرية هي كما أعتقد إحدى الجمعيات التي بذلت كثيراً من الجهد في الارتقاء بنفسها إلى حيث تحولت إلى منظمة أستطيع الادعاء أنها ناجحة وتسير في الاتجاه الصحيح، هناك كثير من الصعوبات والتحديات التي هي عادةً كفيلة بإضعاف مستوى الخدمة المقدمة، تجاوز هذه السلسلة وجملة المثبطات الأخرى يحتاج لقدر كبير من الإصرار والقدرة على تحمل السهام المصوبة من هنا وهناك، كل ذلك أرى أنه تحقق في هذه الجمعية من خلال رجال مخلصين بذلوا كثيراً من الجهد والوقت في خدمة دينهم ووطنهم، فكانت النتيجة مبهرة بالقدر الذي لا تناسبه كلمات مقتضبة تكتب في سجل الحفل التشريفي بمناسبة مرور 55 عاما على التأسيس.
يعود تاريخ القطيف لآلاف السنين، هذه المدينة وشقيقتها الأحساء هما واحتان غنيتان بالماء، ما جعل الزراعة فيهما المهنة الأكثر تداولا، بالإضافة إلى جملة الحرف الأخرى بنسب يفرضها العرض والطلب، النفط بعد ظهوره في ثلاثينيات القرن الماضي أثَّر بشكل كبير على هذه المهنة وجملة المهن بعدما انتقلت نسبة غير قليلة من المواطنين للعمل في قطاعات أُخرى أهمها النفط والصناعة، يرتبط الفقر ارتباطا وثيقا بالتضخم وعدم الجدوى الاقتصادية للزراعة وبقية الحرف، أدى كل ذلك لوجود شريحة من الفقراء ومحدودي الدخل الذين يسكنون البيوت الطينية وبيوت الصفيح، ويعيش بعضهم فقرا مدقعا، في وضع كهذا فإن كافة جمعيات القطيف كانت وما زالت تعيش تحديات ربما لا تصادفها كثير من جمعيات المملكة، العرض الذي قدمه رئيس مجلس إدارة جمعية القطيف الأستاذ عصام الشماسي كان كما أراه مبهرا في توصيف المعاناة وحجم الجهود المبذولة في تجاوزها، «إدارة الفقر» كان عنوانا مميزا لبرنامج يقوم على مفاوضة الشركات لتوظيف المعسرين بعد تأهيلهم مهارياً، تسويق التكافل على نحو أكثر جاذبية منح الجمعية دخلاً مميزاً أسهم في مضاعفة الدعم الذي تقدمه الجمعية للفقراء من خلال مساعدات تصل إلى إعانات الزواج وشراء المنازل، التمويل الذاتي كان له حضوره الجميل أيضاً من خلال مشروع الصدقة الجارية، وهو مشروع مساهمي يصل رأس ماله إلى 25 مليون ريال مقسم على أسهم بقيمة 200 ريال للسهم، المشروع يتجه لبناء وقف عقاري يخصص ريعه للفقراء من غير الأيتام بمساحة تقدر بـ 3750 متراً، ويقع على ساحل الخليج، يُقدر لهذا المشروع عمل نقلة نوعية في إدارة ملف الفقر، كما أنَّ هناك كذلك في الجانب الاستثماري مشروع رياض الأطفال القائم، وهو يخضع لإعادة هيكلة وتطوير لوضع مسار تعليمي عالمي يضاف إلى مسار التعليم التقليدي، وأخيراً وليس آخراً مشروع (إعمار) الذي استطاع خلال عامين فقط ترميم ما يربو على المائتي منزل في جهد جبار وإرادة كبيرة وإنفاق يصب في الاتجاه الصحيح.
المقال كلمات قليلة لا يمكنها بالتأكيد وفاء 55 عاما من العطاء، الإنجازات كثيرة والتحديات أكثر، أن تقف سفينة الجمعية وربانها الشماسي في وجه سلسلة التعقيدات والتحديات الكثيرة وتتجاوزها، فإن ذلك بالتأكيد أمر يستحق التقدير والإشادة كما يستحق بالحد الأدنى أن نعي أن الإدارة الجيدة هي دائما الإكسير القادر على الارتقاء بأي منظمة مهما بلغت تحدياتها، شكراً لإدارات الجمعية السابقة التي وضعت لبنات هذا الصرح العظيم، شكرا من القلب لإدارة هذه الجمعية التي واصلت المشوار، نشد على أيديكم ونقدر جهودكم، ونتمنى لكم مزيداً من التوفيق.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٩٦٦) صفحة (٩) بتاريخ (٢٢-٠٤-٢٠١٧)