أمجد فتحي العمر

أمجد فتحي العمر

لم يعد لي ما أحتفل به في هذا اليوم.. ماتت أمي رحمها الله قبل عامٍ من الآن بعد أن أفنت زهرة شبابها في تربيتنا وبعد أن وصلنا جميعاً (أنا وإخوتي) أنها ستبقى معنا للأبد ولن تفارقنا في لحظة من لحظات العُمر، حيث لم يكن بمقدرونا أنا نفسر كيف يمكن أن يكون الموت!
كانت لي أم، أحاول من بداية صباح اليوم أن أنبش كل زوايا ذاكرتي كي أستطيع وصفها بما يليق.. يليق بامرأة قاست وعانت من ظروف الحياة المختلفة كي تصل إلى لحظات كانت تنتظرها طويلاً لكن سنين العمر لم تمهلها لتشاهد اكتمال الفرح!
أمي «فاطمة» ذات القلب الذي يحمل من البياض ما يعجز البدر في تمامه عن حمله، وبصبرٍ يتسع لكل ما يفيض عن قدرة الليالي والأزمان، بحنانٍ لا يمكن لحروف كل لغات العالم أن تصفه أو حتى محاولة وصفه، لها ابتسامةٌ لا تفارقها الرشاقة كما نسيم البحر في ليلة من ليالي الصيف الساحرة.
تركت أهلها ووطنها مبكراً جداً في بداية حياتها، وكانت تقضي جل يومها وهي تحتضن الأخبار القادمة من هناك تحاول أن تسمع من أي شخص من يقول إن «أهلها ووطنها بخير»، أنجبت، ربّت، علّمت، سهرت على راحة أولادها دون راحتها وعلى سعادتهم حتى في عز تعبها، ولم يكن قلبها يحتمل كل هذا الحنين، مرض قلبها مبكراً وعانت كثيراً في المشافي، تألمت بصمت وأمضت حياتها تنتظر تحقيق ما تبقى من أحلام لها لم تتحقق. فاضت روحها إلى خالقها بعيدة عن وطنها، منزوعة من أرضها، مشتاقة أن تعود لها ولو يوماً واحداً!
في يوم الأم أستحضر ما تبقى من روحها الطاهرة، وأحتفل بما تبقى لي منها، وأحدق بإخواني وأبنائي مسترجعاً كلماتها والوصايا التي لم تنسَ أن تذكرني بها قبل أن ترحل من هذه الدنيا وتتركني أعاني طعم اليتم في هذا اليوم!
في يوم ست الحبايب، كل عام وجميع الأمهات بخير، والرحمة والمغفرة لروح جميع الأمهات الغائبات الحاضرات، وإلى لقاء في جنة الخلد.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٩٦٧) صفحة (٨) بتاريخ (٢٣-٠٤-٢٠١٧)