خضر عطاف آل خضر المعيدي أكاديمي وباحث – جامعة أم القرى

خضر عطاف آل خضر المعيدي
أكاديمي وباحث – جامعة أم القرى

تنص القاعدة بأن «الحكم على الشيء فرع عن تصوره»، هل عندما حكم أكثر المحاربين للسينما على حرمتها كان حكمهم مبنيا على مشاهدة للأفلام الموجودة في السينما ولا أظن ذلك، أم كان حكمهم مبنيا على ما سمعوا من الغير؟ والله نبذ السماع دون التثبت (وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله). إن الجدل المتوالي حول السينما خصوصا بعد التنوع الثقافي الذي نشهده في المجتمع أدى إلى صراع وتنابز ونبذ وإقصاء فيما بين الأفراد، وقد انقسم أفراد المجتمع في مسألة السينما إلى ثلاث فئات، فهم إما مؤيد وإما معارض وثالث مذبذب.
فالمؤيد هو من عرف السينما وقد ارتاد دخولها في الغرب أو في الشرق ولم يطرأ عليه بسبب ارتيادها ارتداد في الدين أو نقص في العبادة أو إنكار لأصول الدين، والمعارض من ليس يعرف بالأصل شاشة التلفاز ناهيك عن أن يعرف السينما، فهو من يصدر الأحكام جزافا بلا روية، وقد سبقه بذلك من حرم مكبرات الصوت وحرم دخول السيارات ولبس الجينز وحرم الأطباق الفضائية ثم الجوال منتهيا بالجوال ذي التصوير الرقمي، فهو شخص محرم لكل ما ليس في بيئته ولكل ما لم ينشأ عليه (عدو لكل ما يجهل)، ومثل هذا يناصح ويبصر بمفهوم التحريم في الإسلام أولا ثم بمفهوم السينما بأنها تلفاز من الحجم الكبير وأن التحكم بما يعرض بها أكثر سيطرة مما يعرض في شاشة التلفاز التي حوتها جل بيوت المسلمين، وأكثر سيطرة أيضا مما في الأجهزة المحمولة ومما في الجوال، ويذكر له بأنه حتى في المجتمع الغربي وقبل عرض الفيلم تكتب مثل هذه العبارة Beware of Restrictions التي تحث على الانتباه للفئة العمرية التي تناسبها أحداث الفيلم، ولا أظن أن فيما يعرض في الشبكات الاجتماعية والجوال ما ينبه لذلك.
والفئة الثالثة هم فئة المذبذبين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، فهم أشبه بما قاله دريد بن الصمة:
«وهل أنا إلى من غزية إن غوت غويت ** وإن ترشد غزية أرشد»
فتجده متلفتا يمنة ويسرة أشبه بالبعير الذي ند عن قطيع الإبل كلما لاح له شاخص أو شخص ظنه صاحبه، فهم يحرمون ما حرمته الأكثرية، ويقول بقولهم في العلانية، وفي السر، يعرف من أسماء نجوم «هوليوود» ونجوم المسلسلات أكثر مما يعرف من أسماء العشرة المبشرين بالجنة ومن أصحاب بيعة الرضوان. إن من المؤلم فعلا أن نحرم أمورا فقط لحب مصطلح «حرام» ليس إلا، وأن يجعل بعض الناس من نفسه ظل الله في الأرض، ويسن لنفسه القانون الذي سنه «لويس الرابع عشر» لنفسه بأنه يستمد تعاليمه من السماء مباشرة؛ ليحرم كل ما يجهل دون النظر فيما دون ذلك مما لا تخلو بيوت أغلب المسلمين والمتأسلمين منه، وهو السينما المصغرة «التلفاز»، وقد عجت بالغث والسمين من مسلسلات تركية وكورية ومكسيكية تروج في غالبيتها لمفهوم الخيانة والرذيلة ليستمرئ الفرد ذلك السلوك مستقبلا دون وعي للأمر وفق ما ذكر لورينس كولبيرج في نظرية «معضلة الأخلاق» بأن غالب المفاهيم تخترق الشعور دون دراية من الفرد لتكون بعد ذلك سلوكا محمودا لديه.
بل وما جلبته الشبكة الاتصالية «الإنترنت» أشد وأنكى، بل وبإمكان حتى الطفل المدعي النوم تحت بطانيته الآن مشاهدة ما لذ وطاب من خلال شاشة جواله وأنت تظنه في سبات عميق وفق برامج مخصصة لفتح أغلب المواقع…!
عندما يشاهد ابني وابنك فيلماً مثل The Theory of Everything الذي بني على قصة واقعية؛ حيث يتناول كفاح طالب في حصوله على درجة علمية على الرغم من تشخيص طبي مبكر له بأنه سيموت بمرض أصابه، مع ذلك يصل إلى هدفه، وغيره كثير من الأفلام التي قدمت نموذجا راقيا للفكر الإنساني الطموح الذي يحتاج إليه أبناؤنا بدلا من الجلوس على أرصفة الطريق وبدلا من الانخراط في سلسلة «الدرباوية» «والسناب شاتوية» ليكون مثلهم الأعلى ساذجاً من سذاج التفحيط أو السناب شات. ختاما وكما تمكن أصحاب البرمجة اللغوية العصبية قديما من أسلمة برنامجهم ولَيّ نصوص الكتاب والسنة لتتوافق مع أهدافهم التدريبية، وكما استطاع أصحاب «الشيلات» من تطويع وأسلمة أغانيهم حتى تتماشى مع مجتمعنا المتدين، فأيضاً من السهل أسلمة السينما وجعلها وفق قيم المجتمع الدينية حتى لو بحذف الموسيقى من المقاطع والاستعاضة عنها بشيلات خصوصا في أفلام «action» لتكون سينما إسلامية مثلها مثل التسجيلات الإسلامية والزواج الإسلامي والعباءة الإسلامية، وإلى غير ذلك من الإسلاميات التي نرفع بها الشبهة عن أنفسنا.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٩٦٨) صفحة (٨) بتاريخ (٢٤-٠٤-٢٠١٧)