الاتجاه الثاني للرسالة الدولية موجه لنظام كوريا الشمالية بطريقة غير مباشرة كإنذار أن الولايات المتحدة لن تتردد في استخدام القوة إذا لزم الأمر لحماية مصالحها وأمنها وحلفائها حتى ولو كان ذلك دون الرجوع للأمم المتحدة ودون غطاء قانوني دولي …

لم تمر 3 أيام على قصف النظام السوري المجرم مدينة خان شيخون بالأسلحة الكيماوية حتى اتخذ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قراره بتوجيه ضربة جوية وقصف صاروخي محدود لقاعدة الشعيرات الجوية، قرب حمص، التي يرى الأمريكيون: أن من أرضها انطلقت طائرات النظام السوري بالهجوم الكيماوي على خان شيخون.
هذه الضربة التي تجنبتها إدارة الرئيس السابق باراك أوباما طيلة السنوات الـ 6 الماضية من عمر الأزمة السورية لن تستفز دمشق فحسب بل ربما ستستفز موسكو وطهران أيضاً وإن كان بشكل غير ظاهر للعالم على الرغم من أن الأمريكان أبلغوا الروس بالضربة.
تركت الضربة الأمريكية الأخيرة أصداء إيجابية في معنويات الثوار السوريين وكذلك على بعض الدول العربية المناهضة لإيران وللنظام السوري. لكن السؤال المهم والجوهري في هذه المرحلة هل تغير موقف ترامب من الأزمة السورية؟ وهل تعني توجيه هذه الضربة مقدمة حقيقية للإطاحة بنظام المجرم بشار الأسد؟
لا يمكن اعتبار الضربة الأخيرة تمثل تغيراً جوهرياً ودراماتيكياً من الأزمة السورية أو بشكل دقيق ليس بعد. إذ من المبكر الحكم على تغير الموقف من مجرد ضربة وحيدة لا سيما إذا رأينا أن الأمريكان لم يكونوا متحمسين لدور نشط في تقرير مستقبل سوريا خلال اجتماعات أيام الجولة الخامسة والطويلة لمباحثات جنيف حول سوريا.
لكن في الوقت ذاته لا يعني هذا استبعاد أن تكون تلك الضربة مقدمة لتغير ما في الموقف الأمريكي تجاه الأزمة السورية لا سيما أن الرئيس ترامب قال في اليوم السابق لتوجيه الضربة إن موقفه من الأسد قد تغير. كما نلحظ هذا مع التصريحات الأخيرة لوزير الخارجية الأمريكي تيلرسون التي قال فيها لا مستقبل للأسد في سوريا لكن طريقة رحيله غير معروفة وأكمل من الواضح أن حكم عائلة الأسد يقترب من النهاية.
لم يكتف تيلرسون بتلك التصريحات بل قال إن تحالفات روسيا مع الأسد وإيران وحزب الله لا تخدم مصلحتها ونأمل أن تعي روسيا أنها تحالفت مع شريك لا يمكن التعويل عليه وأنه يجب عليها أن تتحالف مع الولايات المتحدة وشركائها.
وأكد وزير الخارجية الفرنسي على تصريحات تيلرسون قائلاً بأن مجموعة الـ 7 ترفض أي دور للأسد في مستقبل سوريا. وعلى روسيا أن تتحمل مسؤوليتها في سوريا.
هذه التصريحات الأخيرة تشير بتغير في الموقف لكن لا يمكن البناء عليه ما لم يتم إجراءات وخطوات عملية وواضحة على الأرض تغير المعادلة وتزيح نظام الأسد.
والسؤال الأهم لماذا اختار نظام الأسد بلدة صغيرة لا يزيد عدد سكانها عن 50 ألف نسمة وهي مقارنة بغيرها تعد بعيدة عن جبهات القتال.
لو رجعنا للسنوات الماضية منذ انطلاق الثورة السورية نجد أن النظام الطائفي في سوريا اتخذ استراتيجية تقوم على التهجير وهي سياسة اتخذها لتهجير أكبر عدد ممكن من السوريين السُّنة ولم يكن تركيزه منصباً فقط على المناطق التي تشكل له تهديداً استراتيجياً مباشراً ولكن على أي منطقة يصل لها جيشه، وتتضح سياسة التهجير التي اتخذها النظام السوري إذا رأينا كيف عمل على تهجير أهالي أحياء حلب ذات الأغلبية السنية ويعمل حالياً على تهجير العدد الأكبر من أحياء مدينة حمص.
إن قصف مدينة صغيرة بحجم خان شيخون سيبعث برسالة تخويف إلى سنة إدلب تشجعهم على الرحيل والهجرة خصوصاً بعدما أصبحت إدلب منطقة لجوء لأعداد من السوريين الفارين من قصف النظام الطائفي حيث أجبروا على الرحيل وترك منازلهم في حلب وحمص وريف دمشق.
إن بلدة خان شيخون الصغيرة هي آخر البلدات التابعة لمحافظة إدلب على الطريق الذي يوصل إلى حماة التي شهد فيها النظام السوري والميليشيات الشيعية المساندة له خسائر فادحة من قبل الثوار حيث دارت معارك قوية في الأسابيع الماضية.
وبالتالي فإن النظام السوري ومن خلال قصفه الأخير على بلدة خان شيخون واستعمال السلاح الكيماوي يسعى بشكل سريع لتهجير أهلها السنة لأنه ربما يرى أنها نقطة الانطلاق الرئيسية للثوار الذين يقاتلون في ريف حماة.
حاول الرئيس ترامب من خلال هذه الضربة المحدودة لقاعدة الشعيرات أن يبعث برسائل داخلية ودولية، داخلياً فإن إدارة الرئيس مازالت صورتها لدى الرأي العام الأمريكي غير جيدة لاسيما أن قضية العلاقة بين حملة ترامب الانتخابية وروسيا لاتزال أصداؤها تلاحقه وإدارته حيث أظهرت آخر استطلاعات الرأي انخفاض وتدني نسب شعبية للرئيس في بداية ولايته، لذلك كان لابد من اتخاذ خطوة تعد مفاجئة على مستوى السياسة الخارجية لتحسين صورة ساكن البيت الأبيض وبالتالي تعد بمنزلة رد على الشائعات التي تلاحق حملته وعلاقته بروسيا وستجعله أمام الأمريكيين بالحريص على الأمن القومي الأمريكي والمصالح الأمريكية.
أما الرسالة الدولية التي يود ترامب إيصالها فهي تتخذ عدة اتجاهات الأول للنظام السوري وحلفائه الاستراتيجيين وهما إيران وروسيا وكأنه يقول إن أمريكا لن تخرج من الأزمة السورية وتترك المجال مفتوحاً أمامهم لوحدهم وأن ما وقع من تهاون من قبل الإدارة الأمريكية السابقة التي سمحت بالتوسع الروسي والإيراني على حساب المصالح الأمريكية لابد أن يتوقف.
الاتجاه الثاني للرسالة الدولية موجه لنظام كوريا الشمالية بطريقة غير مباشرة كإنذار أن الولايات المتحدة لن تتردد في استخدام القوة إذا لزم الأمر لحماية مصالحها وأمنها وحلفائها حتى ولو كان ذلك دون الرجوع للأمم المتحدة ودون غطاء قانوني دولي.

ناصر الهزاني
ناصر بن عبد الرحمن بن ناصر الهزاني، سعودي ، باحث في الشؤون الخليجية والعلاقات الدولية ، ماجستير إعلام من كلية… المزيدناصر بن عبد الرحمن بن ناصر الهزاني، سعودي ، باحث في الشؤون الخليجية والعلاقات الدولية ، ماجستير إعلام من كلية الإعلام والاتصال بجامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض سبق له الكتابة في عدد من الصحف الدولية والسعودية، صدر له كتاب بعنوان " الفتوى في الفضائيات العربية .. دراسة في التعرض والمشاهدة " منشور من دار ابن حزم في بيروت عام 2011م
نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٩٧٠) صفحة (٩) بتاريخ (٢٦-٠٤-٢٠١٧)