كانت السيدة اليابانية العجوز منومة في مستشفى طوكيو الجامعي بعد أن تم تشخيص حالتها كمريضة سرطان، لكن حالتها ورغم تعاطيها العلاج لعدة أشهر لم تكن تشهد أي تحسن. هنا لجأ الأطباء إلى الحاسوب العملاق الذي أنتجته شركة اَي بي إم كنموذج للذكاء الصناعي ويعرف باسم واتسون، قام الأطباء بتغذية واتسون بمعلومات المريضة ونتائج التحاليل والفحوصات وخلال دقائق جاء الرد بأن المريضة تعاني من نوع نادر من سرطان الدم يحتاج علاجاً مختلفاً، وبالفعل تم تغيير خطة العلاج وغادرت المريضة المستشفى بعدها بأيام قلائل.
قصة السيدة اليابانية ليست حادثة نادرة في مجال الممارسات الطبية اليومية، لكن ليس كل المرضى سعداء الحظ ليجدوا جهاز كمبيوتر عملاقاً يستطيع المساعدة في تشخيص عللهم وعلاجهم، فبحسب دراسة أجريت في الولايات المتحدة الأمريكية وأشارت لها الباحثة أفيفا روتكين في مجلة نيوساينتت فقد احتلت الأخطاء الطبية المرتبة الثالثة في مسببات الوفاة في الولايات المتحدة. أجل أنت لم تخطئ القراءة، ليس السرطان ولا حوادث السيارات، بل الممارسات الطبية الخاطئة هي ما يحتل تلك المرتبة المتقدمة في قائمة مسببات الوفاة.
رغم ذلك فإن الصورة ليست كما تبدو في الوهلة الأولى، والصورة النمطية التي ارتسمت في ذهنك بأن الأطباء مجموعة من الأشخاص المهملين محدودي الذكاء لا يقومون بما ينبغي عليهم فعله ليست صحيحة كذلك. فالصورة الحقيقية أكثر تعقيداً بكثير، ولا تتعلق بالطبيب وحده بل تتجاوزه لتشمل المريض والمنظومة الصحية بشكل عام. فطبيعة الأمراض التي باتت تصيب الناس في العصر الحديث اختلفت في أنماطها ودرجة مقاومتها للعلاج عن النمط الذي كانت عليه قبل سنوات قلائل، فحتى الأمراض المزمنة مثل السكري من النوع الثاني بات أكثر تعقيداً مما كان عليه قبل سنوات، وأصبح الناس يصابون به في عمر مبكّر ويعيشون معه لفترة أطول ويعانون من آثار ومضاعفات لم تكن مرتبطة به بشكل كبير في الماضي كالفشل الكلوي والأزمات القلبية والسرطان. لذلك فإن استجابة الأمراض للعلاج بالطرق التقليدية قد لا تؤدي لنتائج مُرضية في معظم الأحوال وتحتاج لمزيد من القراءة والاطلاع على النظريات والأبحاث الجديدة ومراجعة الطرق والأساليب المطبقة بشكل روتيني التي قد تكون فائدتها أصبحت محدودة أو معدومة، فقد وجدت دراسة أجرتها المجلة البريطانية للطب السريري قامت بمراجعة 3000 إجراء روتيني تتم ممارستها في المستشفيات، وجدت أن نصف تلك الإجراءات باتت بفائدة معدومة، وأن 3 % منها ثبت أنها مضرة للمرضى، وأن أقل من ثلث تلك الإجراءات هو الذي ثبتت فائدته بشكل قاطع.
من تلك الممارسات التي ثبت عدم جدواها، إجراء عمليات تنظيف المفاصل لتقليل الألم وتخفيف الالتهابات؛ حيث ثبت أنه لا فرق في الدراسات السريرية بين نتائج المرضى الذين أجروا العملية وبين المرضى الذين اكتفوا بالعلاج الطبيعي وحده. كذلك عملية تدعيم الشرايين القلبية المتضيقة بدعامات كإجراء وقائي لمنع حدوث النوبات القلبية وجد أنه غير مفيد للمرضى إلا في حالة حدوث النوبة القلبية بالفعل، مثال ثالث هو العلاج الهرموني الذي يعطى للسيدات بعد انقطاع الطمث لديهن، وجد كذلك أنه قد يكون سبباً في أمراض أخرى أكثر خطورة كالسرطان والنوبات القلبية، كل تلك المتغيرات لم تأت بسبب إهمال الأطباء السابق أو جهلهم، ولكنها جاءت بسبب تطور طرق البحث والاستدلال من جهة وتطور الأمراض وتعقيدها من جهة أخرى، وكما كان الطب القديم يرى أن كل الأمراض سببها الهواء الفاسد وكان العلاج محدوداً بالأعشاب والقليل من الأدوية المحلية، ثم تحول لما نراه اليوم من مستشفيات وكوادر طبية متخصصة وأجهزة معقدة في التشخيص، فربما نشاهد في السنوات القليلة المقبلة تحولات جديدة تنقلب على ما هو موجود الآن، وتمنح الآلات والروبوتات والذكاء الاصطناعي مجالاً أوسع في التشخيص والعلاج الذي سيتضمن الهندسة الوراثية وعلاجات تقنية النانو وأشياء أخرى، مما يجعل دور الطبيب أكثر محدودية ويقتصر فقط على التواصل مع المريض وشرح الحالة له وطلب موافقته على بدء العلاج. وحتى ذلك الحين وكي تسلم من الأخطاء الطبية ربما من المفيد أن تقرأ عن حالتك الصحية وتناقش طبيبك في مراحل وأساليب العلاج؛ كي تعرف المضاعفات المحتملة والآثار الجانبية له.
وقانا الله وإياكم شر الأمراض ومتعكم بالصحة والعافية على الدوام.

فراس عالم
كاتب وطبيب أسنان و أطمح أن أكون جيداً في كليهما
نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٩٧٠) صفحة (٨) بتاريخ (٢٦-٠٤-٢٠١٧)