كان يوما أسود حينما رأيت الحشرة الأكثر اشمئزازا بالنسبة لي في البيت، “الصرصور” حينما أراه فإن وقتا طويلا سينقضي قبل أن تذهب من ذهني صورته البشعة، الحل السريع هو المبيد الحشري الذي يكفي عادة للقضاء عليه، غير أن استخدامي له لم يكن كافيا لعدم رؤيتي لصرصور آخر أكبر منه ومن النوع الطائر في اليوم الثاني. فصول محاربة الصراصير بدأت حينما تعاقدتُ مع شركة مبيدات لرش معقل المشكلة الحقيقي، مستفيدا من تجربة الكاتب تركي الحمد مع نمل بيته، حينذاك فقط كان المئات من هؤلاء بين قتيل وجريح لا يُرجى له النجاة، بذلك تخلصت من هذه المشكلة تماما حتى كتابة هذه الكلمات على أمل ألا تعود على المدى القصير، وهذا ما أعاد لذهني الجدل بين أولئك الإداريين الذين لا يستطيعون التمييز بين السبب والنتيجة، ما يجعلهم يتبادلون التهاني بعد نجاحهم في علاج أمر ما في حين لا تنقضي أيام قليلة حتى تعاود ذات المشكلة الظهور مثلما تماما عاد لمنزلي الصرصور المخيف.

بين الحين والآخر تُبرز قنوات التواصل الاجتماعي وجها نشازا يظهر ليبدي إعلانه التفسخ عن دينه وعقيدته بدعوى منافاتهما لما يسميه العقل، ناسيا أو متناسيا أن العقل عنوان نسبي، فما لا يستطيع عقل احتماله يستطيع آخر ذلك بناء على ما لديه من مقدمات علمية، وما يعتقدها عقل أنها خزعبلة قد يراها آخر بأنها منطقية، في اعتقادي أنَّ الانحراف الفكري أو العقدي يعود في جزء مهم منه إلى عدم قدرة المربي والواعظ على تقديم قيمة علمية منطقية جيدة في الرد على ما يتبادر لذهن الأبناء من استفهامات وما يُطرح من هنا وهناك من شبه وإشكالات، لا أجزم بالتأكيد أنَّ ذلك لو حصل فلن يكون هناك منحرف، ولكن بالحد الأدنى سيسهم ذلك في الحد من هذه الظاهرة، من جانبٍ آخر فقد يكون ذات المربي والواعظ هما السبب في انحراف الأبناء حينما يقدمان صورة مشوهة للفكرة أو العقيدة وبالنتيجة يتولد لدى المتلقي شعور بضعف الفكرة وعدم استنادها على منطق وحجة دامغة فيردها تماماً وقد يتجنى عليها بالاستهزاء والسخرية، وهذا ما أُرجحه لتلك الحالات التي رأيتها، فمعظم هؤلاء يحاربون فكراً يُعرِّفونه تعريفاً خاطئاً وبالنتيجة فهم يردون على فكر لا يقول به أربابه وأعمدته الممثلة له.   

العالم اليوم أصبح أصغر حجماً بكثير مما مضى، اختلطت الثقافات بشكل واضح وأصبح الإنسان يُحلِّق يومياً في فضاءات فكرية واسعة ويتعرض لكثير من الأفكار والمسوقين الذين يُحسنون الترويج لأفكارهم الهدامة، ضمن هذه الحالة يسهل كثيراً اصطياد الشباب فكرياً من خلال الشبه والإشكالات التي تمس عقيدتهم وإيمانهم، لا سيما أولئك الذين لا يملكون حدودا جيدة من المعرفة والاطلاع، من هنا فمالم يع المربي حجم الخطر المحدق ومستوى الإتقان الكبير فيه، فلن يقوم بما ينبغي عليه من واجب الطرح العلمي القائم على الدليل والمنطق والبرهان، وسيكتفي عوض ذلك بالإساءة إلى أولئك المنحرفين وربما منعهم ولو بالقوة من إبداء آرائهم، في حين لن يتسبب أسلوب القمع الفكري إلا في ظهورهم من جديد وبأشكال قد تكون أكثر ضرراً من سابقاتها.

 

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٩٧٠) صفحة (٠) بتاريخ (٢٠١٧-٠٤-٢٦)