عايض القحطاني

عايض القحطاني

قبل سنين امرأة تجاوزت 70 سنة تطلب أن أطوف بها في وقت الظهيرة في شهر رمضان على بعض البيوت، فكانت تدخل البيوت تتهادى بين الجدران، تجبر خواطر المساكين، هنا يتيم وهناك أرملة وذاك فقير متعفف ثم تعود لي في كل مرة في صمت رهيب وحزن عميق مما ترى من حاجة البيوت كأنها هي المسكينة، فأسألها لماذا لا تذهبين في المساء! فتجيبني خشية كلف الضيافة، ثم ألا تكفيك الجهات الخيرية فتوزع عنك صدقاتك؟ فتقول الأقربون أولى بالمعروف ثم ما سر ذلك البيت الكبير الجميل! هل من محتاج هناك؟ فتقول هم من المتعففين وللبيوت خفايا؟ كم من درس في الإيمان والفقه نتعلمها من تلك المرأة -رحمها الله-!
تعلمت منها: أن طوبى لمن يرسل ماله لنفسه لكن في زمن آخر، هناك حيث لا رجعة ولو رجع لتمنى أن يكون من المتصدقين ويزداد، طوبى لمن جبر الخواطر فكفكف دمعة يتيم أو أعان فقيرا أو أطعم جائعا أو نفس عن مكروب،
طوبى لمن عجل بالعطاء وأدار ظهره ليصون وجه السائل عن ذل المسألة(لا تقهر) و(لا تنهر) طوبى لمن كان في صحيفته إحسان وعطاء ولو بالقليل فالحرمان أقل من منه.
تعلمت أن الفرحة الباقية هي في العطاء والبذل، ففي صغرنا كانت الفرحة في الأخذ لكنها فرحة جسد سرعان ما تختفي، بل إن المفاجأة الغامرة حين نتصدق بصدقة ننساها فإذا هي تظلنا في دنيانا وآخرتنا.
تعلمت أن العطاء يكون بالطيب الجميل بدل القديم البائت البالي، كما قال الطنطاوي”نبحث في جيوبنا عن أقل فئات النقود كي نتصدق بها ثم نسأل الله أن يرزقنا الفردوس الأعلى! ما أقل عطايانا و ما أعظم مطلوبنا”.
كم ننفق في حياتنا على الترفيه والسفر والكماليات دون حساب أو صراع نفسي، وكم لله ما أموالنا! (الشيطن يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا).
تعلمت حين نعطي وننفق بأننا نملك أموالنا لا هي من يملكنا حتى قيل: هل من شيء أغلى من الذهب؟ قال معطيها: فهي استعلاء على النفس وأنانيتها وهواها ففي زمان مضى زمن النبوة جاء التاجرعبدالرحمن بن عوف يقوده قلبه وعقله متبرعا بنصف ثروته 4 آلاف درهم ثم جاء الفقير أبوعقيل بنصف ما يملك صاعا من تمر فيا للجمال والكمال الإنساني.
أخيرا:
نختم بمقولة “الفقراء لا يظهرون فجأة في رمضان نحن من يختفي في بقية العام”.
تقبل الله من المحسنين (والله يحب المحسنين).