مايزال الحلم أهم فرص الأمل، فالماضي عرفناه والحاضر نعيشه، والمستقبل هو القادم الذي نتطلع إليه، ويظل في وجدان كل منا خارطة من اللوحات المرسومة لما هو آت، تلك التي تتغير كلما مضى بنا العمر، التي نظل نلاحقها كالفراشات ونحن نحاول أن نحميها من الانبهار بحواف الضوء والاحتراق، هذه الرؤى التي علقناها على نواصي الغد على أمل التحقق، لكنها وعلى الرغم من كافة الإجراءات الاحترازية التي قمنا بها تعرضت للاختراق، لأننا لم نعد قادرين على أن نحميها من هكر التغيير الذي اجتاح عالمنا، وعلى الرغم من ذلك بقيت تقاوم الغياب لتظل خارج الرقابة نحافظ على ملكيتها وعلى حقوقنا الفكرية في صياغتها وفي تفصيلها على مقاس أفكارنا التي نقص المترهل منها ونرسلها عبر مساحات التطلع والطموح، بعد أن نحاول أن نحميها كما نحمي البيوت والحصون التي نبنيها بالقرب من شواطئنا ونفرض عليها حراسة مشددة باعتبارها أحد أهم حقوقنا في الحياة وفي الوصول إلى بصيص الضوء الخافت الذي يطل في آخر نفق تفكيرنا المتعب ..نقف على ناصيتها ونشطح بالخيال بعيدا لننظر خلفنا ونواسي الأحلام المتعثرة التي سقطت من نوافذنا خلال الرحلة المضنية دون أن ندري أنها غادرت أكتافنا وإغفاءات ليلنا و وسائدنا، فنحاول أن نخلق أحلاما جديدة لمرحلة أخرى يصعب أن تمر دونما تطلع، فما أتعس الذين فقدوا هذه القيمة وتوقفوا عن الأحلام واختاروا الحياة ليتشابهوا مع اللوحات الباهتة التي علاها الغبار وتكاثرت عليها تجاعيد الزمن، وذهبت إلى غياهب النسيان قبل أن يفسروها ويتعرفوا على رموزها وطلاسمها، مكتفين بفعل ذاكرة الحلم الذاهب خلف الريح، ينامون ويقومون دونما معنى طالما أن أبواب منازلهم ونوافذهم ومقاعدهم وحبال غسيلهم بقيت في مكانها ولم تتغير، ولم يبحثوا عن حقهم في حلم يتحقق ولم يحثوا من حولهم كي يغيبوا قليلا مع هدف يمكن أن يشدوا الرحال إليه، راضين بالوقوف في محطات الترقب، أولئك الذين لا يحلمون ويرضون بالموت وهم يتنفسون ويقبلون بأي شيء، شرط أن يظل التكرار والتشابه مطلا على حياتهم ما استطاعوا إليه سبيلا، وعندما أسأل نفسي الآن عن أحلامي، قد أجد أنني قد أكون كغيري متأثرة بفعل النحت والتعرية لكل خيالاتي وأحلامي السابقة التي صارت لغيري ولم تعد لي، اكتشفت أنني صرت أمارس فعل الحلم لصالح الآخرين وأتفانى في إرسالها معبأة في زجاجات البحر فأحلم لأولادي ولأهلي ولصديقاتي وأقاربي، وقد يتمدد حلمي ليشمل الأسرى في السجون الإسرائيلية، ويركض خلف خريطة الوحدة العربية، وقد يكون أكثر جرأة ليحلم بزوال الاحتلال وبخيمة من السلام وبعالم لا يتكاثر فيه الفقراء وبفقاعة تكفي لطفولة دائمة. أشعر أنني فقدت القدرة على أن أخلق طريقا لنفسي وأن أركض إليه لاحتضنة وأدفئه بالأمل، وأن أنقذ دفاتري وأوراقي البيضاء من قناصة الأحلام المتربصين.
إنني الآن أحلم لغيري فأحلامي ليست لي، وليس لدي القدرة على أن أمتلك المقدرة الفذة لرحلة البحث عن حلم يكون ملكي، أو أن أقوم بممارسة إقناع غيري ليزهونّ معي لنفتح بوابة حلم عربي يحتوينا جميعا، ويأخذنا من غابات الكوابيس التي سرقتنا من النوم وحرمتنا من لذة الحلم بليلة وردية على ضفاف قمر يرفض الشحوب ويطل بهيا في ليلة الـ 14 من شهورنا العربية التي تغيرت أحلامها ومسمياتها وصارت تفكر كيف تكون مقنعة أكثر لحكاية أخرى لا يعتريها برد التشابه ولا تنغمس إلى أذنيها في الإنصات لأكاذيب الآخرين، ليتني أستطيع أن أعود للحلم لحظة كي أحس أنني مازلت حيا، ليتنا نستطيع أن نحمي أفقنا العربي من الاختراق ومن الهلاوس وأن نعود لنخبئ الحلوى في جيوب الصغار ونحن نعدهم بعيد أنيق وثياب وبعض من الريالات و العيديات واللعب عندما يغفون على وسائدنا ليلة العيد ويذهبون في الصباح ليدقوا الأبواب وعيونهم تلمع من فرحة الأمل، الذي سيجيء يوما ما بإذن الله.