محمد حمد المري

منذ اندلاع الأزمة الخليجية بدأت قطر بالتعبير عن الإجراءات التي اتخذتها دول مكافحة الإرهاب -المملكة، البحرين، الإمارات، مصر- بأنها إجراءات تنتهك القانون الدولي والمواثيق والاتفاقيات والمعاهدات الدولية،
لذا سنتناول هذه الادعاءات التي كان أولها: هل إجراءات الدول تعد حصارا أم مقاطعة؟
بداية يجب أن نعرف كلا من الإجرائين لكي نستطيع أن نصبه على الحالة التي أمامنا، فالقاعدة تقول الحكم على الشيء فرع من تصوره فعند الرجوع لتعريف الحصار نجد أنه يعرف بأنه فرض طوق أمني حول منطقة معينة لمنع وصول الإمدادات إليها وقطع الاتصالات الخارجية عنها، ومع نشأة منظمة الأمم المتحدة أصبح الحصار لا يتخذ ضد دولة إلا بقرار دولي صادر من مجلس الأمن بناء على المادة 41 من الباب السابع لميثاق الأمم المتحدة، على سبيل المثال الحصار العراقي والليبي الذي شاركت فيه قطر بنفسها، أما قطع العلاقات كالذي اتخذته دول مكافحة الإرهاب ضد قطر فإنه عبارة عن إغلاق جميع القنوات الدبلوماسية بين البلدين وقد تتبعه إجراءات اقتصادية بين البلدين فقط ولا يمتد إلى حصار المياه والأجواء الإقليمية-فالقنوات والخطوط الدولية المفتوحة أمام قطر الآن-، ويجب الإشارة على أن القانون الدولي العام لا يلزم الدول بأن تستمر في علاقاتها الدبلوماسية فيما بينها، فلكل دولة الحق في أن تنهي هذه العلاقة بإرادتها المنفردة -كما فعلت السعودية مع إيران بعد حادثة الهجوم على البعثة الدبلوماسية السعودية-، حتى ولو لم تقم الدولة الأخرى بأي اعتداء أو خرق لقاعدة من قواعد القانون الدولي، وهذا ما أكدته محكمة العدل الدولية في أحد أحكامها، إذ نصت على أنه “لا تلتزم أي دولة بأن تحتفظ بعلاقات دبلوماسية أو اقتصادية مع دولة أخرى” ولا تلزم ببيان أسباب قطع علاقاتها مع أي دولة أخرى، ولكن جرى العرف على بيان هذه الأسباب. ويمكن الرجوع لكتاب “قطع العلاقات الدبلوماسية” الصادر عام 1991 (1411هـ) لأحمد أبو الوفاء محمد أستاذ القانون الدولي في كلية الحقوق في جامعة القاهرة، ومن أبرز الحالات لقطع العلاقات بالقانون الدولي هو ما أعلنه هالستين وزيرا الخارجية في ألمانيا الاتحادية “الغربية” والمتعلق بقطع ألمانيا علاقاتها مع أي دولة غير شيوعية تعترف بدولة ألمانيا الشرقية. كذلك المغرب بقطع علاقاته الدبلوماسية مع يوغسلافيا عام 1984 على إثر اعتراف هذه الأخيرة بالجمهورية العربية الصحراوية. وقد يكون قطع العلاقات الدبلوماسية تنفيذا لقرار منظمة دولية اتخذته كجزاء ضد الدولة المطلوب قطع العلاقات معها، ومثاله قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1962 المتضمن التوصية بقطع العلاقات الدبلوماسية مع دولة جنوب أفريقيا إبان خضوعها لحكم الأقلية البيضاء العنصرية، وبهذا نصل إلى أن هذا التصرف هو تصرف مشروع ومعترف به قانونيا.
-أما مسألة حظر الأجواء فقد اعترفت الأمم المتحدة في ميثاقها وفي الفصل الأول منه بسيادة كل الدول وهذي السيادة تمتد إلى مياهها وأجوائها وتوالت الاتفاقيات والمعاهدات على ذلك تباعا، من أبرزها اتفاقية شيكاغو عام1944 في مادتها الأولى والسادسة، وهي ذات الاتفاقية التي نشأت منها المنظمة الدولية للطيران المدنيICAO التي قد توجهت لها قطر بشكوى ضد قرار دول مكافحة الإرهاب وصدر قرار المنظمة برفض شكوى قطر ومعترفة بصحة إجراءات الدول الأربع قانونيا.
– التجنيس في حقيقة الأمر مشكلة الخليج ليس مع التجنيس بل مع التغيير الديمغرافي في البحرين من جهة الذي تقوم به قطر لصالح إيران وعملائها بالمنطقة، حيث إن قطر تقدم الجنسية القطرية لفئات وطائفة معينة لتغير التركيبة السكانية، وبالتالي تسهيل العمل لعملاء إيران كجمعية الوفاق وأمل وغيرها، التي هي على تواصل دائم مع الحكومة القطرية حسب تصاريح الحكومة البحرينية بنفسها، ومن جهة فإن حكومة قطر منذ عام 1996 قامت بتغيير التركيبة السكانية القطرية، ولم تكتف بالتجنيس فقط، بل أيضا قامت بسحب الجنسيات القطرية من مواطنين أصليين بأعداد هائلة، فيكفي أن تعلم أنه تم سحب جنسية 6000 فرد من قبيلة واحدة وهم الغفران من آل مرة، وهو التصرف الذي يعد جريمة دولية، وإذا كان التغيير الديمغرافي يعتبر جريمة وفق مضامين القانون الدولي والإنساني ضد الأنظمة التي تتعمد هذا التغيير داخل دولتها كالنظام الأسدي، فهو أشد جرما ضد الدول التي تغير الديمغرافيا في دولة أخرى، بقصد زعزعة أمنها كحال قطر مع البحرين.
-تسليم المطلوبين وهو يعتبر التجسيد لإقليمية القانون الذي يعني ببساطة أنه لا يتصور أن تنفذ دولة أحكام قضائية ضد أشخاص على إقليم دولة أخرى، فهذا يعد انتهاكا لسيادتها، وبالمقابل لا يتصور أيضا أن تكون هذه السيادة عائقا دون تحقيق العدالة، لذا أتت الاتفاقيات والمعاهدات الثنائية والجماعية بين الدول لتحقيق هذا الهدف، ومن هذا المنطلق قامت دول مجلس التعاون الخليجي ومنها قطر بإبرام الاتفاقية الأمنية عام2012 بالبحرين، ويهمنا بمقالنا المادة 16ونصها التالي: (تعمل الدول الأطراف وفقا لما تقضي به التشريعات الوطنية والاتفاقيات التي تلتزم بها الدولة الطرف المطلوب منها التسليم على تسليم الأشخاص الموجودين في إقليمها، الموجه إليهم اتهام، أو المحكوم عليهم من السلطات المختصة لدى أي منها.) ويعد الإنتربول (الشرطة الجنائية الدولية) هو تجسيد بسيط وواسع لفكرة تسليم المطلوبين وأعضاء هذه الاتفاقية الأمنية 190 دولة، منها الصين وأمريكا وفرنسا وسويسرا وغيرها من الدول العظمى التي تعد رائدة في القانون الدولي وحقوق الإنسان، مما يعني مشروعية مثل هذه الاتفاقيات والمعاهدات. ختاما نحب أن نذكر بأهم مبادئ القانون، وهو أن العقد شريعة المتعاقدين، وقد قامت قطر بتعهدات مشروطة بشروط جزائية في عام 2014 إلا أنها لم تلتزم بها قط مما جعلها عرضة للعقوبات المنصوص عليها بالاتفاقية عليها.