ماجد نزار القطري

الآمال المتعلقة حول تطوير التعليم في المملكة العربية السعودية كبيرة جدًا، وسلم التوقعات يعلو بمرور الأيام. النظام التعليمي في أمسّ الحاجة إلى حل جذري يعمل أولًا على تقليص مركزية الوزارة بشكل كبير. وهذا يعني خلق هيكلة جديدة بحيث تقوم كل إدارة من إدارات التعليم بدور وصلاحية أكبر تساعد في إثراء المنظومة التعليمية. إدارات التعليم تحتاج إلى صلاحيات أكبر من شأنها خلق فرص مبتكرة وإعداد جو إداري إبداعي ملائم يقود المنظومة التعليمية في المدارس.
العملية التعليمية في الفصول الدراسية هي الأخرى في أشد الحاجة لتحول جذري، بحيث يكون الطالب صاحب النسبة الأكبر في إثراء العملية التعليمية.
انتهى زمن التلقين والحفظ الروتيني، فنحن الآن بحاجة لغرس مهارات التفاعل المثمرة للطالب التي من شأنها إعداد طالب قادر على التحدث بطلاقة وتمكّن بارزين، وتبادل الحديث والآراء مع الآخرين في نقاشات متعددة الجوانب بإتقان
بكفاءة عالية، وأن يوصل رسالته وملاحظاته واستنتاجاته العلمية وكفاءة وإيضاح.
الثقة بالنفس والتفكير الإبداعي والملائم والتخطيط المدروس والعمل التعاوني من الأمور التي يحتاجها بشدة الطالب السعودي في الفصل بعيدًا عن التلقين والتركيز
على المناهج دون تفاعل. الطالب يحتاج دورًا أكبر وأهم في العملية التعليمية يصب في إصلاح وتطوير المنظومة بشكل بارز ومؤثر.
نحتاج أيضًا إلى دورات وبرامج فعالة من الوزارة من شأنها تطوير مهارات المعلم السعودي. من الأمور المقترحة في ساحة التعليم هي إنشاء هيئة من الوزارة تُعنى بدراسة إشكالات المعلمين وتطوير سبل الأداء الذي أصبح أمرًا مهمًا في الطريق للتطوير الشامل للمنظومة التعليمية بالمملكة. هذا لا يعني أننا لا نملك معلمين أكفاء إطلاقًا، -هناك كثير من المعلمين الذين يعملون بإخلاص واجتهاد متميزين لإرسال
رسالتهم السامية- وإنما يعني الاهتمام بجانب التطوير وقياس مستوى الأداء
الذي يطلبه المعلمون أنفسهم ويسعون إليه. الدورات التعليمية الدورية للمعلمين القائمة بها الوزارة حاليًا كما ذكرنا في المقال السابق عن واقع تعليمنا- أغلبهاغير مُنتِجة وروتينية وليست كما تتطلع إليها الآمال، فلهذا من الأفضل أن نجلب دورات أكثر فعالية أو نستعين بجهات أخرى تستطيع تطوير برامج تحسين ومراجعة وتقييم أداء المعلمين السعوديين.
الشراكة مع المؤسسات والشركات التي لها باع كبير في التعليم العام والتعليم العالي يعتبر أمرًا إيجابيًا لتطوير تعليمنا أيضًا. فمثلاً مؤسسة الملك عبد العزيز ورجاله للموهبة والإبداع (موهبة) أبرزت كفاءتها بالمنتوجات والإنجازات التي حققها
طلابها. نحتاج لدعم المؤسسة بشكل أكبر لتصبح نموذجًا عالميًا مهمًا وتشمل تجربتها جميع الطّلاب السعوديين، فالإمكانيات موجودة ولكن التنفيذ هو المطلوب.
نحتاج أيضًا لنسخ تجربة “موهبة” وتطويرها في النظام التعليمي للمملكة.
بالإضافة لذلك، التعاون والشراكة مع الشركات الكبيرة لدينا كشركة أرامكو
السعودية وشركة سابك – اللتين تمتلكان الخبرة الكافية في مجال استقطاب الطلبة المتميزين وإعدادهم للدراسة في الجامعات العالمية – أمر مهم أيضًا. مانراه هو أن وزارة التعليم تفتقر للخبرة الكافية لجلب الوسائل المناسبة لتطوير النظام التعليمي، ولهذا سيكون من الأفضل دراسة مخرجات هذه المؤسسات والشركات وعمل شراكة
فعالة، بحيث تستطيع الوزارة أن تستمد وسائل التطوير والخبرة التي هي النقطة الأهم في سبيل رفع مستوى أداء المنظومة التعليمية. المدارس المتميزة في المملكة
وفقًا لتصنيف المركز الوطني للقياس والتقويم “قياس” تملك بدورها خبرة كافية وتجربة فريدة من نوعها بطبيعة الحال في إعداد الطلاب المتميزين، فلماذا لا تقوم
الوزارة بدراسة تجارب هذه المدارس وجعلها من العناصر الأساسية في تطوير النظام التعليمي بالمملكة؟
خيار خصخصة قطاع التعليم هو خيار آخر أيضًا ويحتاج ربما لمقال آخر لدراسة تجارب خصخصة التعليم الموجودة في الدول الأجنبية ومدى تناسبها مع التجربة
السعودية. الحديث عن خيار خصخصة قطاع التعليم يحتاج لدراسة متوسعة ومتعمقة تقوم على تقييم جدوى الأخذ بهذا القرار المهم. قطاع التعليم في المملكة
من أضخم القطاعات الحكومية بالنسبة لعدد الكوادر والمستفيدين. خصخصة التعليم قد تكون سببا في تحسّن جودة التعليم وورقة رابحة تسهم في تطورمنظومتنا التعليمية في عدة جوانب. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه أولًا هو: هل
ستجلب خصخصة التعليم في المملكة نتائج إيجابية أم العكس؟ ولهذا من المقترح دراسة هذا الخيار والعمل على إيجاد الجدوى من تنفيذه في المملكة، فهو يبقى أحد الخيارات المطروحة على الطاولة، الذي قد يكون سيفًا ذا حدين لأسباب عديدة
يتطلب طرحها في مقال منفصل.
الوطن يمر بتحديات عديدة تتطلب وجود الجيل الواعي والناضج الذي يستطيع مواجهة هذه التحديات والتغلب عليها بتميز. وبما أنّ الوزارة -يفترض- أن تملك نظرة
كافية حول الإشكالات الجذرية التي تعاني منها، فالمأمول خلال السنوات المقبلة أن نرى تعليمًا متميزًا مختلفًا يشار إليه بالبنان. الأمر ليس بالسهل ولكن نأمل أن تتغلب الوزارة على هذه العقبات وتحقق التوقعات وتبرز نفسها بقوة خلال الأعوام
المقبلة. الآمال كبيرة جدًا بوجود برنامج التحول الوطني في 2020 بإشراف ورئاسة سمو ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء ورئيس مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية الأمير محمد بن سلمان، الذي وضع تطوير التعليم العام والعالي من الأهداف الرئيسة للبرنامج. ولهذا -بإذن الله- نأمل أن نُقبل على أعوام
مزدهرة لتعليم متطور في السعودية من شأنه خلق جيلٍ واعٍ ومثقف يمثل المملكةالعربية السعودية بكل كفاءة واستحقاق.