الهرم الذي يشكل طبقات المجتمع المختلفة يمنح شريحة العقول قمته الاعلى، وعلى الرغم من الندرة التي تتسم بها هذه الطبقة الا ان القيمة التي تضيفها للإنسانية عادة ما تكون كافية لعمل نقلة نوعية كبيرة في مضمار التقدم، يمكن الادعاء ان المجتمعات تتقدم بمقدار ما تضع هذه الشريحة في المكان الذي يناسبها، هذا يعني ان المجتمعات المتقدمة هي تلك التي قدَّرت عقولها العظيمة ومنحتها المكانة التي تسمح لها بالإبداع، كما عملت بتوصياتها واراءها، العكس هو بالتأكيد صحيح ودقيق، فكل مجتمع وضع علماءه في الدرك الادنى فانه بلا شك هيأ الاسباب المنطقية لتأخره،المشاكل الكثيرة التي تمر بها بلداننا العربية يمكن جدا الادعاء ان سببها الاهم هو في عدم وضع العقول العربية العظيمة في المكان المناسب، الانسان المفكر هو الثروة الحقيقية لأي بلد، اليابان العظيم لا يملك نفط او غاز او معادن، ولا يملك عقول تختلف عن مثيلاتها في بلد اخر، ما تمتلكه فقط هي قيمة الاحترام العالية لعقولها ووضعهم في المكان الذي يمكنهم من اتخاذ قرارات ايجابية مثمرة، هذا يعني ان المفهوم الادق لمعنى كلمة ثروة هو: (العقل)، فالثروة المادية والطبيعية مهما بلغت دون عقل لن تضيف ما ينبغي لها اضافته للمجتمع بينما ثروة العقول تكفي حين استثمارها الاستثمار الصحيح الى صناعة مجتمع حضاري ومتقدم في كافة المجالات، حينما نمر بنظرة سريعة على المشاكل التي تمس بشكل مباشر حياة المجتمعات فان الامن والصحة والرفاه الاقتصادي يعتبرون الاكثر اهمية للإنسان عموما، في هذا السياق كتبت عشرات وربما مئات المقالات التي تطرح حلولاً لتلك المشاكل، في حين تكفي جملة مفيدة واحدة لتكون حلاً لكل تلك المشاكل وهي: (ضعوا العقول في مكانها الصحيح). ومن المؤسف أن نجد كثير من الطاقات العربية المفكرة ذهبت وتذهب إلى الغرب وقدمت قيمة عظيمة لتلك البلدان في حين لم تستطع مجتمعاتها العربية أن تقدم لها الأسباب المنطقية للإبداع في بيئتها، حالما يؤمن الغرب بقيمة العقل فإنَّه يسعى أكثر ما يسعى للبحث عنه واستيراده إن لم يكن موجوداً في محيطه، تصدير العقول هو أزمة مجتمعاتنا العربية، فالعقل ثروة لا ينبغي التفريط بها، وفي المقابل لا ينبغي الإبقاء عليها دون منحها الأدوات المنطقية التي تمكنها من الإبداع، أستطيع الادعاء أننا لا نعاني في بلداننا العربية من مشاكل بطالة، أو مشاكل اقتصادية، تعليمية، زراعية أو صناعية، ما نعاني منه فقط هي مشكلة استثمار العقول، العقل المفكر قادر على حل أي مشكلة وأي تحدي يواجهه مهما كان، ولكن حينما يمنح الفرصة لذلك، أما حينما لا يكون ذلك فستظهر لنا مشاكل لا حصر لها وكلها تعود لأصل واحد فقط وهو عدم منح العقول المكان الصحيح الذي يمكنها من الإبداع.