نصف كأسك فارغ والجرح يملأ نصفك الثاني ومن خلف الزجاج ترى الحكايات كلها وأنت منسي في أحد أطراف العالم فلا أحد يمكنه أن يحملق في لجوئك أو في غيابك أو حضورك  فأنت حر في مشاعرك التي تطلقها كالعصافير التي تنقر على شبابيك المكان ويرتد إليك صداها “حر” لترتدي بعضا من لا مبالاتك أو لتعود لاهتماماتك  لا.. لست وحدك ! فعندما يكون هناك الملايين ممن يشاركونك ارتشاف قهوة القدس على منعطف النبض العربي لا يمكن أن تكون وحدك فهم يجلسون هنا وهناك يتفقون أحيانا ثم يختلفون ويتراشقون بما بقي من ثرثرة  فناجينهم فكلهم أبناءها لكن في ضمير كل منهم وجع ومسؤولية يريد أن يلقيها على عاتق الأخر ليثبت أنه الأوفى بينما يعرفون جميعا أنها أكبر وفية  للتاريخ وللحضارة وللجدران ولأحجار الشوارع ولسنوات طويلة مرت وهي شامخة فوق كل القصص والتحديات وذلك ما يجعلهم  عندما يذهبون إلى الفراش يستعيدون الحقائق ويدركون أن التنكر بالحروف لا يلغي النبض الذي يعيش في قاع وجدانهم العربي الصادق  فيتذكرون ويعتصر القلب غصة خفية قد لا يتحدث عنها البعض عنها  لأن رقة المشاعر وارتفاع درجة حرارة التأثر قد تكون نقطة ضعف لدى أولئك الذين يرون أن القوة في الرفض والتنكر  حتى لا يعرف أعداءهم  أن الضربة هذه المرة جاءت في مكان الخيبة و الجرح والمقتل القديم الذي يتجدد كلما رشوا الملح على الجراح النائمة.

 ولا تقلق على مشاعرك التي لم تعد تحتمل المشاهد المكسورة  التي ارتطمت بها ولا عن محاولة تغييب ذاتك خلف أشياء تافهة والاعتماد على ذاكرة الغياب وإيجاد كل المبررات لحدوثه لكثرة الخذلان في هذه القصة وتزايد أبطالها الذين ملتهم الصحف ونشرات الأخبار.

 أنت لست وحدك طالما هي معك ستتذكر منارتها وأقصاها وقبة الصخرة وبعض تراتيل من القران وحكايتها مع الأديان السماوية وروح الأنبياء ترفرف في المكان.

وحائط البراق ومسجد عمر وقد تؤنب نفسك أنك أرخيت أذنك لبعض الذين قالوا لك أنها لا تستحق الحياة وأنها يجب أن تنسى ككل اللحظات والقصص  العابرة تلك التي حرضتك على إلى أن تعود إلى  حياتك الطبيعية وانشغالات عملك وأطفالك بينما هي تنتظرك هناك في مواقيت الوفاء للمواعيد كي تتذكرها  لكونها  قررت أن لا تنساك وأن تعود إليك كلما جد في الجرح .. جرح   ستعود إليك من جديد  لتذكرك بما انغرس في وجدانك ويقينك كشوكة رقيقة في القلب يصعب عليك أن تقتلعها لكونها متوجة بالتجلي ولأن فيها بعضك بل كلك الذي تعتبره قوتك وشموخك وكيانك الذي تريده كالنسر أن يحلق عاليا بالقرب من وطنك كي تزهر في العين قرة الحياة  وأنت تحكي لأبنائك عن لحظة صدق جاءت لتثمر زهوا  فوق فوهة الهاوية  لخطوات دقت خطاها على الأرض بصدق الوفاء  لهذه القبة الحرة كي تعانق سحاب السماء .لا لست وحدك وستظل تتذكرها عندما تصحو لترتشف قهوتك أو لتناقش أولوياتك وخلفيات رفضك وقبولك وستناقشها مع نفسك وقد تعتب على من قالوا لك أنها يمكن أن تمر كالرمح في ذاكرتك وأنها أصغر من الانشغال وأقل شأنا من الانطفاء  وأن ذاكرتك تشبه ذاكرة الأسماك التي تختار أيقونة النسيان دائما وأنك ستضعها في قائمة التأطير في بحور الشعر وكتب التاريخ ومع الصور العتيقة فوق الرفوف المكررة والمنسية على الشفق الأخير أو أنها ستصبح  ككل خيام البدو التي تغيب وتعود بشكلها التلقائي الحنون تارة والمتصحر تارة أخرى وستظل في وجدانك إن رضيت وأن أبيت لأنها أكبر من وشوم الذاكرة انها ضميرك الذي لأيمكن أن يتركك وحدك.