خلال حفل الشراكة السعودية الامريكية الذي أقيم في العاصمة الامريكية واشنطن أسعدني الحظ بالجلوس في نفس الطاولة التي يجلس عليها سيناتور امريكي سابق وزوجته .. تبادلنا الأحاديث حول العلاقات. ولفت نظري جملة وصف بها الأمير محمد بن سلمان، عندما قال عن ولي العهد: إنه رجل استثنائي.
والحق أن هذه الجملة سمعتها تتردد بشكل كبير خلال الزيارة، وبالفعل فوصف الأمير بالاستثنائي وصف دقيق، على اعتبار أن ما فعله ويفعله استثنائي .. لا أحد يستطيع ذلك سواه.
زيارة الولايات المتحدة الامريكية الأولى لولي العهد كانت قبل عامين وتحديدا في رمضان قبل الماضي، وكنت أنا ضمن الوفد المرافق لسمو الأمير محمد بن سلمان. وخلال الفترة ما بين الزيارة الأولى وهذه الزيارة، غير الامير محمد بن سلمان وجه السعودية، وأصبحت غير تلك التي يعرفها العالم آنذاك .. وما أنجزه اليوم وبعد إطلاق الرؤية السعودية ٢٠٣٠، بالتأكيد سيغير وجه المنطقة بشكل كامل .. فما فعله الأمير الاستثنائي يحتاج لعقود .. ولا أبالغ إن قلت قرون .. نعم قرون ولنقرأ التاريخ ونحكم.
عندما بدأ ولي العهد جولته العالمية تنفيذا لتوجيهات خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز كان الجميع يعلم جيدا أنه يحمل معه أجندته الاستثنائية ، إلا أن ما أعلن عنه وما حدث فعلاً كان أكثر مما تصور الجميع .. كان يحمل على عاتقه مستقبل أمة بأسرها، وكان يحمل في ذهنه هموم التغيير التي تبناها وأصر على أن ينفذها من أجل الوصول الى القمة ومهما كلّف الأمر.
ما يميز الأمير محمد بن سلمان لا يقتصر على أنه حقق ويحقق تطلعات الملك، بل يشمل أيضا قدرته الخارقة على فهم ما يريده شعبه الذي يمثل الشباب فيه السواد الأعظم.
وفِي المحطات الأربع التي بدأها ببريطانيا مرورا بزيارته التاريخية للولايات المتحدة الامريكية وفرنسا وانتهاء بإسبانيا ظهر جليا أن السعودية تتحول بشكل مذهل إلى قوة استثمارية رائدة، ومحور للربط والتواصل مع العالم، وتحسين مهارات رأس المال البشري وقدراته.
ولم تطغى السياسة في تلك الزيارة كما هي عادة زيارة الزعماء والقادة، بل شملت كل شي .. كل قطاع استثماري سياحي واجتماعي، والأهم ذلك الأمر المرتبط بالعلاقات العامة وتغيير الصورة النمطية المرتبطة في أذهان العالم.
لقد استطاع ولي العهد أن يقدم المملكة العربية السعودية الحديثة للعالم بأسرة، ولم يتأخر عن الظهور في أهم وسائل الإعلام العالمية لإظهار الروح الجديدة للدولة السعودية الرابعة، ولم يكن غريبا ذلك التفاعل الكبير الذي شهدته شخصيا من قبل الساسة والمفكرين والإعلاميين، بل ومن الأشخاص العاديين.
ولا أبالغ إن قلت الإعجاب الواضح بالأمير تجاوز التصورات .. ولم يأتي ذلك من فراغ فما فعله ولي العهد خلال الفترة القليلة الماضية من إصلاحات كبيرة كانت مثار إعجاب الجميع .. في الحقيقة لم يكن أحد يتوقع أن تسير الأمور بهذه الوتيرة السريعة في المملكة، مما أعطى مصداقية وثقة في كل ما يقوله ولي العهد.
وعندما أطلق الأمير محمد بن سلمان رؤيته ٢٠٣٠ كان على علم تام بما سيتحقق، وأن الطريق لذلك يكمن في التحالفات مع أهم القوى الاقتصادية في العالم، فليس كافياً أن نكون ضمن أقوى ٢٠ اقتصادا في العالم، ومن خلال الاعتماد على النفط كمصدر دخل نربط به مستقبل البلاد. والحقيقة أنه منذ اليوم الاول الذي كلّفه فيه الملك سلمان بملفات البلاد الهامة، كان هاجسه تنويع مصادر الدخل.
وشخصيا سمعت ذلك من ولي العهد في أول لقاء لي معه قبل أكثر من عامين، بكل صراحة كنت أتوقع أن تفاؤل الأمير أكثر مما يجب، فما تحدث عنه كان يحتاج لعقود زمنية، لكنه وبعد اللقاء مباشرة ظهرت النتائج ، وبعد بأشهر أطلقت الرؤية السعودية 2030.
بالفعل محمد بن سلمان استثنائي، هندس الرؤية التي وضعتنا اليوم هنا وغدا ستنقلنا الى آفاق أوسع وأرحب، وستجعل من السعودية أحد أهم دول العالم من جميع النواحي.
الملفت للنظر حقا أن كل شيء يفعله الأمير محمد بن سلمان يأتي مخططا له ومدروس بشكل كامل، وخلال الزيارة التاريخية للولايات المتحدة الأمريكية، حدد 10 قطاعات رئيسية للدخول في استثمارات فيها تضمنت الدفاع، الطيران، الطاقة، البتروكيماويات، التقنية، التصنيع، النفط والغاز، التعدين، الاستثمار، والصحة.
تلك القطاعات تم تحديدها بناءً على الأولويات الاقتصادية للقطاعين الحكومي والخاص، وموائمتها في برنامج اقتصادي قابلٌ للمتابعة والقياس، بل وتم التفاهم مع الإدارة الأمريكية للتأكد من سرعة الإنجاز وتقديم التسهيلات اللازمة لتحقيقه.
وهذا مؤشر واضح على أن كل شيء مخطط له ويعمل وفق آلية واضحة المعالم، وعندما حددت القطاعات أعلن عن انها ستولد أكثر من 750 ألف وظيفة في البلدين، وباستثمارات تتجاوز 400 مليار دولار أمريكي بين الجانبين، ذلك مثال واحد فقط يمكن الأخذ به في كل محطات الزيارة.
ما حدث الجولة التاريخية يمكن وصفة بإعادة تشكيل خريطة المنطقة .. زيارات ضربت عشرات العصافير في حجر واحد، لكن يظل العنوان الأبرز من وجهة نظري، هو أن الأمير محمد بن سلمان يتحرك في كل الاتجاهات ليكون الإنسان السعودي في وضع مختلف، لا يقل عن وضع المواطن الذي ينتمي إلى أي دولة عظمى.
‎الجولة جددت التأكيد على أن الشراكة السعودية مع دول العالم الكبرى تتميز بتعدد الأبعاد ولا تقتصر على مجال واحد فقط، سواء على المستوى الاقتصادي أو السياسي أو الأمني، فقد وضعت النقاط على حروف لغة التعامل الجديد الذي سنه الأمير الشاب.
‎ إن الجولة أخذت أبعادا مهمة ومختلفة، فهي وإن كانت سياسية بامتياز لم تغفل جوانب الاقتصاد والأمن ومحاربة التطرف وبناء الشراكات الجديدة، وتدعيم الشراكات القائمة، خاصة أن عمليات الإصلاح التي انتهجتها الرياض تجد ارتياحا شاملا في العالم، وهو ما يجعل من هذه الإصلاحات ركن مهم في تعميق مستوى الشراكة بين خلال الفترة المقبلة وبما يرسخ لاستقرار منطقة الشرق الأوسط.
‎الرياض وهي التي تملك جميع الخيوط اللازمة لضمانة استقرار المنطقة، تستطيع أن تستكمل مع مع تلك الدول العديد من الخطوات نحو البناء والتطوير.
‎اليوم يستطيع المواطن السعودي أن ينام قرير العين، فالوطن يسير نحو مجد جديد يرتقى لفوق هام السحب.

خالد بوعلي
رئيس تحرير صحيفة الشرق