نظام تبريد المناطق: حلول لإطلاق إمكانيات كفاءة الطاقة

طباعة ١ تعليق

03

تعتبر تقنيات التكييف والتبريد من المقومات الأساسية لتقدم البشرية ورفاهيتها في ظل الطلب المتزايد على المساكن والتعليم والصحة، وهي مطالب أساسية للإنسان في كافة أنحاء العالم. وهذا ما يجعل هذه التقنيات المستهلك الأكبر للطاقة في المباني على مستوى العالم، ولها نصيب الأسد في انبعاثات الغازات الاحترارية في المباني، مما قد يكون له الأثر الكبير في التغيرات المناخية.
تستهلك التدفئة والتهوية والتكييف والتبريد في القطاع السكني والمباني الحكومية والتجارية 40٪ من الطاقة المنتجة عالمياً، وتصل إلى نسب أعلى من ذلك في الشرق الأوسط. ونظراً للارتفاع الشديد لدرجات الحرارة في فصل الصيف، لم تعد أنظمة التكييف والتبريد من الكماليات، بل أصبحت ضرورة في كافة المنشآت.
تشهد المملكة العربية السعودية تطوراً غير مسبوق في قطاع التدفئة والتهوية والتكييف والتبريد، وذلك بعد تطبيق مواصفات كفاءة الطاقة على المكيفات بكافة أنواعها، بدءًا بالمكيفات المنزلية والثلاجات في العام 2012، ووصولا إلى المكيفات المركزية ذات السعات الكبيرة في العام 2017، بعد فرض قيود على بعض وسائط التبريد المستخدمة في أجهزة التكييف والتبريد، وتماشياً مع خطة التحول الوطني 2020 ورؤية 2030، وتحقيقا للأهداف المرجوة منهما في تحقيق اقتصاد مزدهر وبيئة نظيفة لجميع فئات المجتمع. ويتولى المركز السعودي لكفاءة الطاقة والهيئة السعودية للمواصفات والمقاييس والجودة، إلى جانب الجهات الحكومية الأخرى، مهمة إعداد وتطبيق المواصفات في المملكة العربية السعودية بالتناغم مع الخطط التنموية، وتحسبا للنمو المتوقع في قطاع الإسكان.
وإذا أخذنا نظرة شمولية لاحتياجات المباني بمختلف أنواعها للتبريد والتكييف، نجد أن هناك تفاوتاً كبيراً في سعات التبريد التي يحتاجها المبنى تحت ظروف التشغيل المختلفة، والتي يدخل فيها تفاوت درجات الحرارة بين الليل والنهار ونسب الإشغال. فعلى سبيل المثال، المباني التعليمية والحكومية تستهلك الكثير من الطاقة لغرض التكييف خلال ساعات العمل الصباحية، في المقابل، قد تكون المنازل خالية من السكان في هذا الوقت. وعلى النقيض في الفترات المسائية، يكون استهلاك المنازل والمجمعات التجارية والاستهلاكية أكبر. هذا خلال أيام العمل، وقد تتغير الاحتياجات خلال الإجازات الرسمية. فهل من الممكن استخدام السعة التبريدية غير المستغلة في المنازل خلال أوقات العمل الرسمية لتغطية احتياجات المرافق التعليمية أو الحكومية مثلاً؟ أنظمة تبريد المناطق تجيب على هذا السؤال.
بناءً على دراسات لشركة الاستشارات الاستراتيجية العالمية “بوز أند كو”، تستطيع أنظمة تبريد المناطق (District Cooling) أن تقلل من معدلات استهلاك الطاقة لغرض التكييف والتبريد في المملكة بنسبة تصل إلى 25-30٪ بحلول عام 2030.
يعتبر نظام تبريد المناطق وسيلة أساسية لإنتاج وتوزيع حلول التبريد للقطاعات الصناعية والمباني، وهو أحد حلول التدفئة والتهوية والتكييف الأكثر فعاليةً من حيث الأداء والتكلفة للمدن العصرية ذات الكثافة السكانية الضخمة. ويوفر هذا النظام مزايا اقتصادية وبيئية كثيرة مقارنة بالأنظمة الأخرى؛ حيث بإمكان المحطات المركزية اعتماد مصادر الطاقة المتجددة (كالطاقة الشمسية والكتلة الحيوية)، وبواسطتها يتم الاستغناء كليا عن الأنظمة المنفصلة التقليدية، مما يساعد على ترشيد الاستهلاك والحفاظ على عائدات الطاقة للاستفادة منها في التنمية.
من جهة أخرى، وتعقيبا على إمكانية توزيع الأحمال بين كافة التطبيقات في المدن والمناطق الحضرية، فإن إجمالي الأحمال الحرارية للمباني مجتمعة في وقت الواحد قد يقل بنسبة 50% أو أكثر مقارنة بمجموع أحمال المباني مصممة كلا على حدة، وهذا ما يجعل نظام تبريد المناطق في بعض التطبيقات أكثر فعالية وجدوى اقتصاديا من حيث استغلال المساحات وفرص ترشيد الطاقة.
كيف يمكن لشركة سعودية أن تطور تقنية تبريد المناطق
إن ظروف العملاء والنمط المتغير للأحمال الحرارية (ارتفاعا أو انخفاضا أثناء اليوم) وهيكلة التعرفة على مدار الساعة تهيء الفرصة لتطوير حلول مجزية لجميع الأطراف ذات العلاقة في صناعة الطاقة، وتسخر التنوع التقني غير المسبوق في منظومة الإنتاج والتوزيع والاستهلاك، والذي يمكّن من الاستغلال الاقتصادي لمصادر الطاقة النظيفة والمتجددة من جهة، والطاقة المهدرة من المنشآت الصناعية والنفطية من جهة أخرى، مما ينتج عنه عوائد اقتصادية كبيرة تفوق التوقعات.
ويعتقد الدكتور أنورعلي حسن، نائب الرئيس للمبيعات والعمليات الميدانية بشركة آل سالم جونسون كنترولز (يورك)، أن نجاح التوجهات المقترحة لتبريد المناطق سيمكّن من تسخير أفضل التقنيات الحديثة، ويفتح آفاق جديدة لتحقيق التوجهات الوطنية المتمثلة في برنامج التحول الوطني 2020 ورؤية 2030.

وتفتخر شركة آل سالم جونسون كنترولز (يورك) بتجربتها الناجحة في توفير أنظمة تبريد المناطق لعدد من المشاريع الرائدة في المملكة، تشمل على سبيل المثال لا الحصر تبريد الحرمين الشريفين، ووقف الملك عبدالعزيز (برج الساعة) ومنطقة جبل عمر في مكة المكرمة، ومطار الملك عبدالعزيز الدولي الجديد بجدة، وكبرى الجامعات والمباني المرموقة بالمملكة.
ويعتبر تبريد المناطق في اعتقاد شركة آل سالم جونسون كونترولز (يورك)، ومن تجربتها العملية، مفهوما قابلا للتطبيق بشكل كبير؛ أخذا في الاعتبار تغيير مفهوم التكييف والتبريد من كونه مرفق خاص ليصبح مرفق عام، يتم إنشاؤه وإدارته من قبل تنظيم مؤسسي متكامل ومتخصص. ومن التجارب التاريخية للعديد من المجتمعات في طرق استخدام المرافق العامة، والحفاظ عليها لتكون على درجة عالية من القدرة التنافسية، يعتبر فصل التخصصات داعما قويا لتحقيق هذا المقصد، كفصل الإنتاج عن التوزيع للخدمات، على سبيل المثال، المياه والكهرباء.

التحديات التي تواجه تطبيق مفهوم تبريد المناطق على نطاق واسع

إن التنظيم والاستثمار في شبكة أنظمة أنابيب لتوزيع المياه المبردة من المرفق (محطة تبريد مياه مثلا) إلى المباني التي تنتفع من المرفق، ينبغي أن تكون جزءا من البنية التحتية العامة، ليسهل تشجيع التنافس في توليد المياه المبردة. كما سيؤدي إصدار لوائح وقوانين منظمة من قبل الدولة إلى رفع مستوى الثقة لدى المستفيدين بشبكة التوزيع، والمساعدة على حوكمة هذا القطاع، وما تقتضيه إدارة العلاقات والمعاملات بين أصحاب العلاقة من منتجين وموزعين ومستفيدين، وآليات إدارة الخدمات والخلافات والإشكالات الفنية والقانونية من قبل الهيئات ذات الاختصاص، والتي لا تخرج عن المفاهيم المتبعة في إدارة المرافق المشابهة؛ كالمياه والكهرباء. هذه التشريعات ستسمح لشركات تبريد المناطق (المولدة للماء المبرد) باستخدام الشبكة والتنافس في خدمة المشتركين. ويكون هذا مفيدًا للمجتمع كبديل يقدم أسعاراً أكثر تنافسية للمستهلكين (مثلما تفعل شركات الاتصالات للأجهزة المحمولة حاليآ على سبيل المثالا).
أما بالنسبة لقضية تحديد أسعار عادلة ومستقرة لتبريد المناطق، فهي مسألة تتطلب من الحكومة تحديد إجراءات شفافة لتسوية الأسعار بين المستهلكين والمنتجين، مما سيعزز ثقة المستخدم العادي في الخدمة التي يحصل عليها، والمقابل الذي يقدمه في سبيل ذلك. الأمر الذي سيؤدي إلى زيادة معدل اعتماد تبريد المناطق بشكل أكبر.
ويعتقد الدكتور أنور أن اللوائح والمبادرات الحكومية يمكن أن تسهم بشكل أكبر في دعم مشاريع تبريد المناطق، إن أخذت في الاعتبار التكلفة الحياتية للمشروع وليس التكلفة الأولية (life cycle cost). فالتكلفة الأولية للمشروع عادة ما تكون مرتفعة في حال الاستثمار في الحلول عالية الكفاءة، والتي هي أكثر تكلفة عند التأسيس من الأنظمة التقليدية أو تدنية الكفاءة، واعتمادها يتطلب فهما واضحًا للقيمة التي تولدها خلال دورة حياة المشروع. وهذا أوضح ما يكون عند مقارنة تكاليف دورة الحياة للحلول المقترحة وليس التكلفة الأولية فقط. وقد يكون اتخاذ القرار في هذه الحالة تحديا فنياً في تقييم طرق حساب أنماط الاستهلاك للأنظمة المختلفة وتكاليف التشغيل والصيانة لكل منها، مما يعتبر أمرا جدليا في الكثير من الأحيان إذا كانت عناصر التكلفة ليست مقدّرة على أسس واضحة، مثل الأداء وكفاءة الطاقة، وأسعار الطاقة والمياه، وتكلفة رأس المال، والتضخم السنوي. ويعتبر الافتقار للوضوح في عدد من هذه الاعتبارات عائقا أمام تبني الحلول المتطورة ذات العائد عالي الجدوى على المدى الطويل، ومنها على سبيل المثال:

• تحديد ما إذا كانت مياه الصرف الصحي المعالجة متاحة أم لا وبأي تكلفة؟
• وجودها في مواقع محددة لخدمة هذه المشاريع وضمان استمراريتها في المستقبل
• معدلات الأسعار

هذه أسئلة هامة وإن بقيت دون إجابة والتزام واضحين بات من الصعب حدوث تقدم سريع في موضوع كفاءة الطاقة على مستوى المناطق.
هناك توافق بين الاستشاريين وملاك مشاريع تبريد المناطق، من حيث المفاهيم والبيئة المواتية والتكاليف المالية لتبني مفهوم تبريد المناطق. لكن التبني الواسع لا يزال بعيد المنال. وهكذا تنتظر الصناعة المعايير والمبادئ التوجيهية من الحكومة لتفعيل القرارات الممكنة لذلك. وأضاف د. أنور: “سيظل المقاولون ملزمون فقط بشروط المشروع، ولا يمكن أن نتوقع منهم المزيد من الحلول الفعالة للطاقة ما لم يتم تحفيزهم للقيام بذلك”، إذ إن تكلفتها عموما أعلى.
لقد أصبح نظام تبريد المناطق إلزاميا في عملية التطوير للمنشآت الحكومية، والتي تتطلب 15000 طن أو أكثر. ولقد رأينا جهوداً حثيثة من قبل مدينة الملك عبدالله للطاقة الذرية والمتجددة، تمثلت في تطوير الأبحاث وحلول الطاقة لاستخدامها في قطاع التدفئة والتهوية والتبريد. هذه الجهود محل تقدير الشركات الداعمة للحلول البيئية المتطورة. كل هذا يزيد من وعي العموم بالتقنيات المتطورة الأكثر كفاءة في استخدام الطاقة وعوائدها على المجتمع.
ويسلط تقرير برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) الضوء على “المدن العاملة بالطاقة المركزية للمناطق ” (District Energy (DE)) التي تشمل دبي، الإمارات العربية المتحدة، باعتبارها أكبر مدينة تعتمد على نظام تبريد المناطق في العالم. ويبرز التقرير أن هذا الحل هو جزء من جهود أوسع نطاقًا للتحوّل من الوقود الأحفوري إلى تكنولوجيا الطاقة المتجددة وتقنين استهلاك الطاقة. على سبيل المثال، قد تقلل الكويت من استخدام الطاقة بنسبة 46 في المائة إذا طبقت نظاماً شاملاً للطاقة في المناطق، وينطوي الأخير على تبريد المناطق والتدفئة والكتلة الحيوية والغاز الحيوي وتبادل الطاقة الحرارية الأرضية والطاقة الشمسية والربط الكهربائي.

  • استفتاء

    ما هي التحديات التي تواجه نجاح التجارة الإلكترونية في السعودية ؟

    مشاهدة النتائج

    Loading ... Loading ...