مشاري الضويلي

مشاري الضويلي

مرت ثلاث سنوات متتالية وأنا خارج محيط الوسط الاجتماعي الذي نشأت وترعرعت فيه.. ثلاث سنوات وأنا أحاول أن أمسك قلمي أو تلامس أناملي مفاتيح جهاز الحاسب الآلي الخاص بي لأكتب حرفاً واحداً يعبر عن ما في دواخلي وأخرجه إلى من حولي ليقرأوا ما أحس وأشعر به.
لأن الشعور والإحساس الذي ينتابني صعب البوح به لأسباب واعتبارات خاصة أحتفظ بها لنفسي، وسأحاول هنا أن أشرككم فيها لعل أجد فيها متنفساً وبراحاً يخفف ما بي ويعيدني إلى محيط من حولي، أو على الأقل المكان الذي توقفت فيه.
ويجيش في خاطري أن ما منعني من الكتابة خلال الثلاث سنوات الماضية هو خوفاً من التقصير في كتابة ووصف هول الموقف الذي مر بي وبعائلتي الصغيرة، وهو أمر وضع في نفسي أشياء غير طبيعية وقتل ملامح الحياة الجميلة ورسم في خاطري معالم الحزن.
ومع إيماني بأن القدر يمكن أن يأتي في أي لحظة، وأن الموت هو سبيل الأولين والأخرين، حدث قدر الله تعالى الذي لا يستأذن البشر في حضوره أو غيابه، ويأتي في وقته المحدد.. في الساعة والدقيقة والثانية والمكان الذي كتب الله فيه أن يحدث هذا الأمر الإلهي.. وفي لحظة حزينة غيب الموت فجأة أخي الصغير الذي أعتبره ابني، وأعامله كطفل صغير من ناحية أحاسيسي تجاهه، وكنت أخاف عليه من فواجع القدر لو أراد الله تعالى أن أفارق الحياة وهو موجود فيها.
وفي غمرة أحزاني بفقد أخي الصغير كنت أحاول لملمة تفكيري المبعثر وأهرب إلى الحروف لكي أعبر لمن حولي حتى يعرفوا ما بي ويخففوا وأخفف عنهم ألامهم وأحزانهم، لكن كانت هناك ثمة أشياء تمنعني، ولعل أبرزها الخوف حزناً على عائلتي من حروفي، أو ربما لثبات أسرتي عند حدوث أمر الله وقدره، خصوصاً وأن عائلتي كانت تنظر لي نظرة شموخ، أو ربما احتساباً للأجر، أو ربما كانت لمعايشة الخيال والبعد عن الواقع.
وكنت في كل بداية أسبوع انتظر يوم الجمعة بفارغ الصبر للذهاب إلى المقبرة والسلام على أخي في منزله الذي يسكنه حالياً دون أن اسمع صوته وأرى صورته، وفي الوقت نفسه كنت أبحث بشغف عن محادثة الأرواح ولكنني لم أستطع، وبعدها أيقنت بأن عالم الأرواح عالم خفي لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى.. حينها التزمت ذلك الخيار الأصعب على نفسي والأقرب إلى عقلي الا وهو خيار “الصمت”.
ولكن بعد مرور الثلاث سنوات بدأت الحرب تقرع طبولها وتقطع العلاقة الدبلوماسية بين عقلي وقلبي، وبدأت أستعيد عافيتي، وبإذن الله سينتصر عقلي على قلبي وسأكون نشطاً في حياتي كما كنت في السابق، وسأواصل مسيرتي في ما تبقى من حياتي، وسأرجع إلى واقعي المفقود بعد موجة غربة حزن كادت أن تقتلني وتعطل مسيرة حياتي.
نعم، سأعلنها منذ الأن بأنني رجعت إلى قلمي وأعمالي المحببة وستعود حروفي التي أنثرها هنا وهناك في جميع وسائل الإعلام، وسأصطف كما كنت دائماً مدافعاً عن وطني وأفديه بروحي، وساعياً لإرساء معالم الخير والجمال، وداعماً لكل ما ينفع البلاد والعباد، وأن أكون كما كنت صديقاً ومحباً للجميع.. أعدكم بأن أكون سعيداً وبخير، ولن أجعل مكاناً للحزن في قلبي وحياتي.

10