الانتقال إلى المحتوى  |  النسخة الكاملة

أن تقول ما تحب لمن تحب

الكاتب: قاسم حداد

1
هذا الفضاء الشاسع الذي يسمونه الحياة، تقدر الكتابة على جعله أكثر رحابة وأجمل. شرط أن تكتب ما تحبه أنت. فمهما استضاقت حدود الحياة وصعبت شروطها، لك أن تفتح في خيمة الحديد طاقة شمس صغيرة، وترى من هذه الشمس ما تريد. دون الخضوع لشروط الخارج، الكتابة هي داخلك. الواقع، مهما غلظ، ليس شرطاً على الكتابة، فالكتابة هي أنت في الحرية، ضد الواقع.
2
هكذا علمتنا التجربة، فالخسارة فادحة، إن أنت كتبت ما لا تحب. وهنا يكمن الجمال: أن تقول ما تحب لمن تحب.
3
بعد ذلك كله، حباً وحرية وحياة، سنعرف لماذا أخرج «أفلاطون» الشعراء من جمهوريته. لم يكن ذلك تقليلاً من أهمية الشعر والشاعر، ولكنه تقديرٌ لفرادة دورهما في الحياة. أكثر من هذا، سيكون السبب مفهوماً، وربما كان سبباً وجيهاً، أيضاً، من وجهة نظر صاحبه، فالشاعر لا يخضع ويمتثل، في حين شرط الجمهورية الأول هو الامتثال. لقد أدركَ «أفلاطون» مبكراً أن وجود الشاعر في المكان، يعني وضع كل شيء تحت طائلة الشكّ والمساءلة. الجمهورية هي دولة ونظام، وهي، بالتالي، سلطةٌ تتطلب القبول وتستدعي الإذعان وتشترط الامتثال لسياسة الدولة وقوانينها. وقد عرف «أفلاطون»، باكراً، أنه سيقصر عن مجابهة أسئلة الشاعر في دولته. وأدرك أنه لا مكان للشاعر في حدود جمهوريته، فالجمهورية لا تحتمل قائدين في مكان واحد.
علينا أن نعرف الآن، عسى أن لا نكون قد تأخرنا، بأن الشاعر لن «يقبل»، كما أن صاحب الدولة لن «يقبل» أيضاً.

4
بدا لي أن الريف لم يكن كافياً لفرط العمل، غير أن النص صار كريماً لكي يؤثث الفضاء بالمخلوقات الجديدة. وكنت كلما أدركني الليل دخلت في الحلم، وعند كل نهار طفقت في الخلق وإعادة خلق الطبيعة وعناصرها، فالكائنات الفعّالة قرائنُ لا تخذل.
الكتابة ضربٌ من العمل، وعلينا أن نأخذ هذا العمل مأخذ الجد، فليست الكتابة نزهة أو مزحة. أنت في هذا العمل بمثابة العطش والماء في آن واحد.