الانتقال إلى المحتوى  |  النسخة الكاملة

نعم سقطت جامعاتنا رغم أنف التصنيفات العالمية

الكاتب: مداولات

سحر أحمد الخشرمي - كاتبة أكاديمية سعودية

استفاق المجتمع السعودي قبل زمن قصير على ضجيج سقوط مدوّ أعلنه مركز التصنيف العالمي للجامعات (CWUR) الذي أخرج جامعاتنا السعودية جميعها من بين قائمة أفضل 500 جامعة حول العالم، فشاع الهرج والمرج في الأوساط الأكاديمية والعامة حول ما يمكن أن تسبب في ذاك السقوط الفاضح بعد عبور غامر لجامعاتنا خلال الأعوام السابقة لمصاف الجامعات العالمية، اكتفى بعضهم باتهام جهة التصنيف CWUR بأنها ليست مرموقة وليست ذات خبرة ليؤخذ بنتائجها، وتمسك بعضهم الآخر بنظرية المؤامرة ضد الجامعات السعودية التي ألقت بظلالها على تلك التصنيفات وأشبعتها تحيزاً، وتحامل بعضهم على من كانوا مسبقاً مشككين في التصنيفات الأخرى التي وضعت جامعاتنا مسبقاً في المقدمة، فبادروا بتقديم التهاني لهم ظناً أو ثقة منهم بأن ذاك التشكيك في التراتيب السابقة قد أودى لا شعورياً بجامعاتنا للتراجع عما كانت عليه من مجد أكاديمي…
والسؤال الذي أشغلني في خضم تحليلي لردود الأفعال تلك، هو هل كانت ستكون تلك التيارات المعارضة قاصمة لظهر جهة التصنيف CWUR لو جاءت نتائجهم لصالح جامعاتنا؟
الحقيقة يا سادة يا كرام أننا مجتمع يعشق الصفوف الأولى ويرمي لها وإن لم يكن يستحقها، فنعم جامعاتنا قد سقطت من ذاك التصنيف الأخير، لكنها قد أُسقطت فعلياً من أجندة احترام كل أكاديمي مخلص راهن على نزاهة العلم كسبب لتقدمها قبل تلك التصنيفات بأعوام.. فانشغال عديد من هيئة التدريس في جامعاتنا بالترسيخ لحصولهم على مناصب قيادية وإدارية مرموقة كان ثمنه التنازل عن التدريس أولاً وعن قيم وأخلاقيات أكاديمية شيئاً فشيئاً، والتسارع للنشر العلمي بغية الحصول على الترقيات ومكافآت النشر والجوائز العلمية دون أية معايير أودى بفضائح تنأى كل القيم الدينية والأخلاقية عن قبولها والتبرير لها، أما مخرجات التعليم فحدّث ولا حرج، بين جمهور من المتعلمين الذي عجزت عن استيعابه سوق العمل، وجمهور آخر من المتعلمين الموظفين ممن تتشاكى باستمرار من عطالته سوق العمل.
فأين تلك الجامعات التي صمتت إداراتها عن عناصر متعددة من الفساد العلمي التي تدور بها وتجاهلت وزارتها أنظمة النزاهة الأكاديمية ونداءات الشرفاء لتحركها من اللطم والبكاء والاعتراض على ضياع تلك القيم؟
الوقوف في الصفوف الأولى في التصنيفات العالمية يا جامعاتنا العزيزة لا ينبغي أن يكون مطلقاً عبر لوي الأذرع أو تقبيل الأنوف أو شراء المراتب العلمية.. بل عبر التعليم المتميز الخالص من أي مصالح، والمخرجات التي تسهم في تطوير وتعمير الوطن، والبحث العلمي الجاد الذي يقود إلى حراك إيجابي مثمر في المجتمع.
لذلك ورغم أية تصنيفات كانت أو ستكون قريباً.. كنتم وما زلتم تستحقون ذاك السقوط.