الانتقال إلى المحتوى  |  النسخة الكاملة

سقط من نخلة.. فتلقّفته القصائد

التاريخ: 26/8/2015

ليس أكثر من فلّاح كادح، مثل مئات فلّاحي الأحساء المختلطين بالخُضرة. لكنّ طريقة وفاته جعلت منه بطلاً في قصائد الشعراء منذ انتشار خبر سقوطه من نخلة قبل ثلاثة أيام. أصبح علي طاهر العبدالله بطلاً في وسائل التواصل الاجتماعي بسرعة الإليكترون، ثم مرثيّاً في قصائد شعراء أبَّنُوهُ بحب وشغف. هذا ما حدث خلال الأيام الثلاثة الماضية؛ حين عمد شعراءُ من الأحساء إلى رثاء العبدالله متعاطفين مع إنسانٍ بسيط قضى عمره في بستانه، مستحضرين النخلة حبيبةً للفلّاح الذي نذر عمره معها.. وهذا ما صوّره الشاعر عبدالوهاب أبو زيد:
لأنني عشتُ عمري هائماً معها
طرحت عمري من عمري لأجمعها
لأنني كنت منها كان يوجعني
لفرط عشقي لها ما كان أوجعها
ومثله الشاعر زكي السالم الذي كتب في الفلاح الراحل بضع كلمات قال فيها: ببلدتي الصغيرة بني معن، ومنذُ وعيت الدنيا قبل أربعين سنة، وأنا أرقب كيف يمتزج الفلاح بالنخلة ويذوب عشقاً بها، هي أمة بكل تجلياتها، ولذا يضنّ بها عن كل شيءٍ حتى النسمات العليلة يخشى أن تخدش صمودها وتجرح كبرياءها.
والشاعر المعروف علي النحوي كتب عبر حسابه على موقع التواصل الاجتماعي “تويتر” بعد أن لوّن صفحته بصور الراحل، وهو يبيع على قارعة الطريق صناديق الرطب، وأخرى بملابسه البسيطة حافي القدمين مبتسماً: أكرر رجائي لمسؤولينا: ضعوا مثل هذه الصور في مكاتبكم؛ لأنها تبعث فينا الإنسان الذي يعشق تربته بصدق ويعلمنا معنى الكفاح. النحوي الذي لا يعرف الفلاح الراحل شخصياً؛ لكنه كان يحتفظ بصورٍ له في أرشيفه، يقول: ‏صدقوني.. الليلة بكيتُ وأنا أتأمل هذه الصورة، وأتخيل لحظة سقوط صاحبها كادحاً متعففاً من أعلى النخلة التي طالما وهبها ضناه.

 

سقط من أعلى نخلته ففارق الدنيا

فلاح يموت بطلاً في رثاء الشعراء

الدماممعصومة المقرقش

الراحل يلقي التحية مبتسماً

الراحل يلقي التحية مبتسماً

من كان يتوقع أن يتحول خبر رحيل فلاح كادح سقط من أعلى نخلته، إلى مصدر إلهام يُفجّر قريحة الشعراء الأحسائيين، ويتسابقون في رثائه، حتى تلوّنت صفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي بصورٍ خاصة به عنواناً لمحبّتهم ووفائهم له، معاتبين سعفها الذي لم يترجل ليحتضنه، وحزام «كرّه» الذي خانه، ومتسائلين في الوقت ذاته عما إذا كان «علي طاهر العبدالله» سيتحول إلى أيقونة فلاحية وطنية؟

الفلاح العاشق

وحيث إنّ الفلاح الراحل «علي طاهر العبدالله» كان ودوداً بطبعه ودمث الخلق؛ فقد كان حديثه محبّباً لكثير ممّن استذكروه بعد وفاته كما هي حالهم قبل رحيله عنهم؛ فالشاعر عبدالوهاب أبو زيد، الذي رثى العبدالله بأبياتٍ شعرية، مصوراً إياه بالفلاح العاشق الذي نذر حياته منذ أن كان طفلاً للنخلة، ولم يعرف دروب العشق مع أحدٍ سواها؛ سقط صريعاً، وهو يحاول أن يجمع بعضاً من ثمارها، وهي تنظر إليه باكية، يقول:

لأنني عشتُ عمري هائماً معها
طرحت عمري من عمري لأجمعها
لأنني كنت منها كان يوجعني
لفرط عشقي لها ما كان أوجعها
مذ كنت طفلاً وكان العشق يأمرني
بأن أنيخ لها سمعي مخافة أن
يكون داء أقضّ الليل مضجعها
معاً كبرنا.. وها إني هويت إلى
التراب وحدي وقد أوجعت أضلعها
سقطت وحدي، ومازالت متوجة
بالأفق تذري على كفي أدمعها
يا موت دعها وخذني! في التراب غداً
أحلُّ فيها، وأبقى خالداً معها!

والشاعر «زكي السالم» كتب في الفلاح الراحل بعض الكلمات التي يقول فيها: ببلدتي الصغيرة بني معن، ومنذُ وعيت الدنيا قبل أربعين سنة، وأنا أرقب كيف يمتزج الفلاح بالنخلة ويذوب عشقاً بها، هي أمة بكل تجلياتها، ولذا يضنّ بها عن كل شيءٍ حتى النسمات العليلة يخشى أن تخدش صمودها وتجرح كبرياءها.
ويقول السالم: شهدتُ شخصياً حوادث كثيرة حدثت مع فلاحي قريتي من النخلة ولكنها كانت رحيمة بهم، عطوفة عليهم؛ فنتائجها بعض كدمات وكسور، ولكنها هذه المرة ومع الحاج المكافح أبي خالد العبدالله كانت مؤلمة جداً؛ إذ توفى إثر سقوطه بالأمس.. «سقط في لحظة كده على عياله؛ فهو فعلاً؛ كالمتشحط بدمائه في سبيل الله».

معنى الكفاح

الراحل جالساً يبيع الرطب

الراحل جالساً يبيع الرطب

والشاعر المعروف علي النحوي كتب عبر حسابه على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر» بعد أن لوّن صفحته بصور الراحل، وهو يبيع على قارعة الطريق صناديق الرطب، وأخرى بملابسه البسيطة حافي القدمين مبتسماً: أكرر رجائي لمسؤولينا: ضعوا مثل هذه الصور بمكاتبكم؛ لأنها تبعث فينا الإنسان الذي يعشق تربته بصدق ويعلمنا معنى الكفاح.
النحوي الذي لا يعرف الفلاح الراحل شخصياً؛ لكنه كان يحتفظ بصورٍ له في أرشيفه، يقول: ‏صدقوني.. الليلة بكيتُ وأنا أتأمل هذه الصورة، وأتخيل لحظة سقوط صاحبها كادحاً متعففاً من أعلى النخلة التي طالما وهبها ضناه.

أيقونة فلاحية

ويتساءل النحوي: هل سيتحول «علي طاهر العبدالله» إلى أيقونة فلاحية وطنية؟ وهل سيتحول إلى عمل درامي مثير ومؤثر؟ إنها باختصار سيرة الكادحين، لن تكتب عنك الصحافة؛ لأنها لم تكن لديك وأنت تجني الرطب تحت درجة خمسين مئوية، ولم تكن لديك ونحن نكاسرك في سعره الزهيد.
ويضيف النحوي متألماً: لست أدري هل وقعتَ أم وقعتْ النخلة؟ هل متّ أم ماتت؛ وقد سقيتها بماء عينيك وذوب قلبك؟ تأملوه قليلاً إنه يشبه النخلة كثيراً، إلى أن يقول:

الكادحونَ وقد أعياهمُ التّعبُ
مضوا إلى اللهِ مثلَ الضوءِ وانقلبوا
عاشوا وفي كلّ نبضٍ من عروقِهمُ
معنىً وفي كلّ عذقٍ للضنى رطبُ

محب للعلم

علي العبدالله ابن عم الفلاح الراحل يقول لـ «الشرق» إن ابن عمه وُلد فلاحاً ورحل عن الدنيا فلاحاً، عن عمر ناهز الـ 56 عاماً تقريباً، وظهرت عليه علامات التقدم في السن باكراً نظراً للأعمال الزراعية الشاقة والمرهقة التي عملها منذ طفولته، متخلياً عن مقاعد الدراسة والعلم رغماً عنه.

حزام الكرّ

الراحل الفلاح وعلى غير عادةٍ، ربط حزام «الكرّ» -أداة لتسلق النخلة- غير الطريقة المعتادة التي تعود أن يربطه، وعندما تسلق النخلة فُك الحزام، وسقط على الأرض وارتطم جزء من رأسه بقاعدة إسمنتية، ثم حاول إخراج هاتفه النقال لطلب المساعدة، وعندما أحس بدوار شديد شرب كوباً من الماء، وزحف إلى خارج المزرعة طالباً المساعدة، أبو خالد لم يكن يعلم أنه مصاب بنزيفٍ داخلي، وأسعفه أحد المارة إلى مستشفى الملك فيصل الذي يبعد عن قريته حوالي 40 كيلومتراً؛ لكنه لم يصمد طويلاً، وفارق الحياة داخل غرفة العمليات -رحمه الله-.

جنازة مشهور

جنازة الراحل حضرها عدد كبير من الناس؛ حتى أن البعض ظن أنها جنازة رجل مشهور، ومُدد مجلس العزاء إلى خمسة أيام حتى يحضر أخوه المغتربان من أمريكا، كما يقول العبدالله.

محب للتقنية

ويضيف العبدالله أن ابن عمه الراحل كان محباً للناس، والابتسامة لا تفارق محياه، معطاءً كالنخلة تماماً، واجتماعياً من الدرجة الأولى، وعلى الرغم من أنه لم يكن خريج مدارس؛ إلا أنه كان يستخدم التقنية بشكلٍ لافت، وأكثر الأشخاص من ينظم «مجموعات واتسابية»، بناءً على الحدث.

مقدم ضيافة

ويلفت العبدالله إلى أن الراحل عشق الأرض ومهنته، ولم يتخلَ عنها يوماً، يستيقظ منذ بزوغ الفجر يروي عطش نخله، ورغم العروض التي قدمت اختار أن يؤسس له فرقة لضيافة المناسبات، يقدم القهوة والشاي والتمر، وكان مرغوباً في بلدته بني معن، وخارجها.

ثمار يانعة

الراحل الذي ترك ابناً مصاباً بالصرع لم يتوقف يوماً في مساعدته، وزوجة مريضة أحبها وأخلص لها، عشق الناس ثماره اليانعة، وتسابقوا لشرائها رغم ارتفاع سعرها قليلاً؛ لأنها تشبّعت بالحبِّ والاهتمام، وتميّزت حبات رطبه بأنها كبيرة وذات رائحة مميزة ونظيفة، وهذا يعود للطريقة التي كان يتعامل العبدالله بها مع نخيله حيث كان يقطع جزءاً كبيراً من سعفها.