الانتقال إلى المحتوى  |  النسخة الكاملة

بنت «خمس نجوم» زعيمة إمبراطورية روما.. ما الجديد؟

الكاتب: رضي الموسوي

* فرجينيا المنتشية بانتصارها، ليست باهرة الجمال، لكن ابتسامتها الواثقة تحرك خيالات الجمهور وهي ترفع يدها مفردة أصابعها، إشارة إلى حركة النجوم الخمس …….

شكلت نتائج الانتخابات البلدية في إيطاليا خضة كبرى لدى النخبة السياسية الحاكمة بعد فوز مرشحة حركة «النجوم الخمس» المحامية فرجينيا راجي التي تبلغ من العمر 37 عاما برئاسة بلدية العاصمة الإيطالية روما بنسبة بلغت أكثر من 67 % على منافسها مرشح الحزب الديمقراطي الحاكم روبرتو جياكيني، بينما فازت زميلتها من نفس الحركة كيارا أبنيدينو (31 عاما) بنسبة 54 % في تورينو على منافسها رئيس البلدية وعضو الحزب الديمقراطي بيارو فاسينو. وبعد فوزها، تعهدت الشابة فرجينيا «بإعادة الشرعية والشفافية إلى المؤسسات بعد عشرين عاما من الإهمال» بعد أن هيمنت شبكة الفساد (روما كابيتالي) التي كشف أمرها في 2014. وقالت بثقة كبيرة «الآن علينا العمل، هناك كثير من المشكلات… أنا مستعدة للحكم». رئيس الحزب الحاكم في إيطاليا اعترف بالهزيمة ووصفها بأنها «هزيمة مرة ومؤلمة.. خسارة روما وتورينو مرة ومؤلمة». فرجينيا المنتشية بانتصارها، ليست باهرة الجمال، لكن ابتسامتها الواثقة تحرك خيالات الجمهور وهي ترفع يدها مفردة أصابعها، إشارة إلى حركة النجوم الخمس، بينما يتدلى شعرها الأسود على كتفها المصبوب بمقاسات جاذبة للناخبين الذين اختاروها بعد أن أكل الفساد أجسادهم.
فرجينيا المحامية التي أصبحت أول امرأة وأصغر رئيسة لبلدية روما، تنتمي لحركة تأسست عام 2009، وسرعان ما تحولت إلى ثاني أكبر حزب في إيطاليا في انتخابات 2013 التشريعية بعد أن حصلت على 25% من أصوات الناخبين لتحصد 109 مقاعد في مجلس النواب و54 مقعدا في مجلس الشيوخ. هذه الحركة لا تفضل توصيفها كحزب، وتوصف بأنها شعبوية، مناصرة للبيئة ومكافحة للفساد، ومتحفظة جزئيا على سياسات التكامل الأوروبي، وتدعم الديمقراطية التشاركية والديمقراطية المباشرة والديمقراطية الإلكترونية والوصول المجاني للإنترنت. ولعل الذي أثار قلق النخبة السياسية أن زعيم رابطة الشمال حليف الجبهة الوطنية الفرنسية (اليمين المتطرف) الذي تتزعمه ماريا لوبان، دعا للتصويت إلى مرشحي حركة النجوم الخمس. لكن فرجينيا التي ورثت دَيناً يخنقها يصل إلى أكثر من 12 مليار يورو، لا تجد أهمية كبرى في الاستمرار في منافسة استضافة الألعاب الأولمبية في 2024 مع كل من باريس، ولوس أنجليس، وبودابست؛ حيث لا تجد في ذلك أولوية. لاشك أن النخبة السياسية الحاكمة مصدومة من تحول الناخبين بهذه الطريقة والنسبة الكبيرة، خصوصا بعد أن عثرت النيابة العامة (المستقلة طبعا عن السلطات التنفيذية) على أدلة إضافية عن انتشار الفساد على نطاق واسع منها عقود البلدية التي منحت للسياسيين المقربين، وكذلك لعصابات المافيا. الفساد في إيطاليا ينهش ما يزيد على 78 مليار دولار سنويا وفق تقرير منظمة الشفافية الدولية، التي طالبت الحكومة بإنشاء هيئة مستقلة لمكافحة الفساد؛ حيث يرى 87% من الإيطاليين أن الفساد من أخطر المشكلات في بلدهم ويلقون بالمسؤولية وراء تفاقمه على الأحزاب السياسية، وهذا ما استثمرته نساء حركة النجوم الخمس واقتنصن الفرصة مدركات أن الرصيد الرئيس لهذه الحركة هو الاحتجاج على الفساد، الذي أوصل البطالة إلى نسبة غير مسبوقة؛ حيث تصل إلى 12.7% يشكل الشباب فيها أكثر من 41%. وهذه المصاعب هي جزء من الصعوبات الاقتصادية وفشل رئيس الوزراء في التغلب على الركود الاقتصادي وكبح الدين العام على الرغم من إجراءات التقشف التي أقرتها الحكومة، علما أن الناتج المحلي الاجمالي هبط بنسبة 2.4% متجاوزة بنسبة الضعف التوقعات الحكومية التي كانت تشير إلى 1.2%.
التحدي الذي تواجهه حركة النجوم الخمس هو كيف لهذه الحركة الفتية أن تنخرط في مكافحة الفساد المالي والإداري بينما تقف منظمات المافيا عقبة كأداء في وجه مرشحيها النيابيين والبلديين. فالمافيا المتأصلة في المجتمع الإيطالي، والنخبة السياسية الفاسدة التي كشف النقاب عن بعض من فسادها، والوضع الاقتصادي العالمي المتردي الأداء والمفلس في بعض حالاته، والاتحاد الأوروبي الذي تنتمي له إيطاليا وتعاني بلدانه من مصاعب جمة.. كلها عناصر ستقف بالمرصاد لأداء فتيات النجوم الخمس ومدى قدرة بلديات الحركة المدعومة بنوابها في المجلس النيابي من القيام بواجباتها وتجديد شباب إيطاليا الذي فشل فيه رئيس الوزراء الحالي وحكومته.
أمام فرجينيا وزملائها في الحركة مهام كبرى لا يمكن الهروب منها بخطابات محاربة الفساد دون الولوج في البرنامج العملي وقياس مدى تحقيق النجاح فيه. فالراصد الشعبي لن يكون متفرجا كما تبدو بعض المعطيات، بل سيراقب أداء النساء بعد أن صوت لهن، ما يضع الحركة ورموزها أمام امتحان عسير قد يؤثر على الانتخابات القادمة التي تنتظم في العام 2018. روما مدينة تاريخية عظيمة، وحين أراد نيرون قتلها وخنقها مات هو بينما ظلت هي تواصل رحلة اكتشافاتها لعوالم وأجيال جديدة لم تكن موجودة لدى الجيل القديم.