الانتقال إلى المحتوى  |  النسخة الكاملة

الجدران تسأل: يا أحمق ماذا تفعل؟

الكاتب: مداولات

باسم سلامة القليطي

يقع قريباً من منزلي (استاد رياضي) أمرُ إلى جواره يومياً، وفي كل يوم ألاحظ أن (الشخابيط) على جدرانه الطويلة تزداد، لدرجة أن الألوان الأصليّة للجدران بدأت بالاختفاء، وحلّت مكانها خرابيش عبثيّة بلهاء، كتابات سخيفة مُخيفة مليئة بالأخطاء، تستبدلُ الضمّة بالواو والكسرة بالياء، وكأن هذه الجدران عبارة عن كراسة بيد طفلٍ عملاق أحمق، يكتب عليها ما يخطر على عقله الصغير، دون أدنى مسؤولية، ودون أي تفكير، ولكن مع الأسف من يفعل هذه الأفعال كبار في العمر؛ لأن الصغار وإن كانت في بعضهم حماقة، إلا أنهم لا يجرؤون على الكتابة في الشوارع الرئيسة، ويدارون حماقاتهم في الشوارع الجانبيّة والخلفيّة؛ لأنهم مازالوا يخجلون من ارتكاب سخافاتهم أمام الناس، أما أولئك الكبار فقد تبلدت فيهم المشاعر والأحاسيس، وصاروا يتنافسون على ارتكاب الحماقات وكأنهم «ملاحيس»، لا يحترمون شيئاً إلا القوة؛ لذلك لا بد أن تقوم الجهات المعنيّة بوقف هذا التشويه القبيح، وأن تُعيد الأمور إلى وضعها الصحيح، من خلال سن قوانين رادعة، وتركيب كاميرات كاشفة.
وهذه الحلول الفوريّة قويّة ومهمّة ولكنها وقتيّة، أي أننا نحتاج حلولاً أخرى مُوازية وبعيدة المدى، ومنها على سبيل المثال:
أولاً: فلتكن البداية من المدرسة وبحكم أني معلم نادراً ما أرى طاولةً نظيفة؛ لذلك يجب أن تأخذ المدارس هذا الأمر بجديّة، وأن تحسم من درجات السلوك على كل عابث، فمن يكتب اليوم على الطاولة يكتب غداً على جدار المسجد والمدرسة.
ثانياً: تربية النشء على حُب الوطن والحفاظ على ممتلكاته، وأنها مُلكٌ للجميع يجب أن تُستخدم وتُترك في أجمل صورة.
ثالثاً: تعليمهم فنون الذوق، وتشجيعهم على التمتّع بتفاصيل الجمال، فشكل المكان يدل على مُرتاديه، ومظهر الحي ينبئ عن ساكنيه، والمُفسد أحمق والمُصلح نبيه.
رابعاً: الفراغ الذي يُعانيه هؤلاء الشباب هو أحد أهم الأسباب لتفشّي هذه الظاهرة؛ لذلك يجب علينا إشغالهم في أمور نافعة، تطوّر من مهاراتهم، وتفجّر طاقاتهم، وتُطلق إبداعاتهم، وتلبّي احتياجاتهم.
خامساً: كثير من هؤلاء العابثين، أصحاب مواهب لم تُشجّع، ومهاراتٍ لم تُوجه، من خلال قنواتها الصحيحة، كالمدارس أو مراكز الأحياء أو مراكز رعاية الموهوبين، فسلكوا هذا السلوك الخاطئ بغرض لفت الانتباه؛ لذا يجب علينا استثمارهم وتعليمهم واحتواؤهم.
في النهاية أقول لمن أراد أن يشخبط ويخربش إذا لم يكن خطك جميلاً، وإذا لم تكُن كتابتك صحيحة، فلا تجمع مع القبيحة قبيحة، فلو مرّ معلم الخط والإملاء وأراد التصحيح، لأعطى الغالبية العظمى أصفاراً مع سبق التعجّب والاستغفار.