الانتقال إلى المحتوى  |  النسخة الكاملة

الباحثون عن الفرح

الكاتب: مداولات
منيرة أحمد الغامدي

منيرة أحمد الغامدي

تزدان الشوارع في هذه الفترة وفي الدول الأجنبية بألوان الأعياد المبهجة التي لا يكاد يخلو منها بيت وشارع ومحل تجاري. ويغمرنا الفرح رغم عدم انتمائنا لهذه الأعياد أو الدول، ولعل ما استحث كتابتي لهذا المقال هو خبر تابعته على إحدى قنوات التليفزيون الأجنبية، ومفاده أن شرطة مرور المدينة قامت بتوزيع العملات النقدية ذات فئة المائة دولار على السائقين عشواياً بدلا عن المخالفات المروية التي يتوقعون أن المرور أوقفهم من أجلها، كما قام بتوزيع ذات الفئة على المارة أيضا. شعور غامر بالفرح على وجوه المستقبلين لهذه الهدايا المفاجئة وعلاقة ود مع الشرطة «وأخذ بالأحضان». وأشار الخبر إلى كون مصدر هذه الهدايا متبرعين، وحددها بستة آلاف دولار في ذلك الحي، وهو مبلغ بسيط لكنه أدخل فرحاً عظيماً. حالة فرح غامر وليسوا الأفضل اقتصاديا أو اجتماعيا لكنه تلمس لمكامن الفرح وإشباعها.
أتساءل وأعرف مسبقا أن هناك معترضين، لكن لماذا لا يغمرنا ذات الفرح وعيدنا يأتي بعد أعظم وأبرك أشهر السنة؟ لماذا نتثاقل ونجر الخطى في يوم العيد وبالكاد نستيقظ، هذا إذا استيقظنا؟ لماذا ثقافتنا غاية في الكآبة ولا تحمل الفرح؟ وسيأتي من يقول إننا نفرح لكن الإعلام لا ينشر ذلك بطريقة صحيحة! وأقول ربما، ولكنني أعيش بين الناس وأرى وأسمع، ورأيي ليس مبنياً على تجربة شخصية وفردية. فالتليفزيون يبث أغاني «من العايدين»، ويجري مقابلات مع الأطفال في المولات ومع الناس، لكنه فرح «حذر» من وجهة نظري. لماذا لا نرى أي مظهر للاحتفال إلا في بعض الشوارع الرئيسة ومناطق محددة؟ وهل بتنا فعلا نرضى بمجرد هذا الفرح المختصر في ظل الضغوط «المتكالبة»؟
أتذكر ومن سنوات مضت تم افتتاح برج المملكة في الرياض، ومن أجل الألعاب النارية تجمع الناس جماعات وأفرادا لرؤية الحدث العظيم الذي هو طبعا الألعاب النارية المصاحبة للافتتاح، فلا أحد يهمه افتتاح البرج عدا مالكه بارك الله له فيه. لماذا ابتعد الباحثون عن الفرح واللاهثون عن أبسط ما يمثله؟
إنشاء هيئة للترفيه رائع، ولعل هذا جزء من مهامها، وهنا لابد من الإشارة إلى أن ثقافة الترفيه اختلفت عما كانت عليه قبل عقود أو حتى عقد مضى، وأن متطلبات الناس اختلفت، وحاجتهم للفرح والترفيه لها معايير مختلفة الآن؛ نظرا للظروف والمستجدات الاجتماعية والاقتصادية على سبيل المثال. قد أرى ما يمكن إدراجه تحت الترفيه في الوقت الحالي أن يقوم الأثرياء بالتجول في الشوارع وتوزيع الهدايا على الناس عشوائيا، وهناك ربما مناطق أكثر احتياجاً لمسببات هذا النوع من الترفيه والفرح من مناطق أخرى وإن كنا جميعا نحتاج للفرح ونسعد حتى لو أُهدينا «علكاً» نحرك به أفواها تصلبت من انعدام الابتسام!.
كلي تفاؤل بوجود هيئة الترفيه؛ فمجرد إنشائها وإن كان نشاطها في مرحلة وضع استراتيجياته إلا أنه شيء مفرح ومبهج، وأتصور أن من المهم للهيئة البدء في استقصاء متطلبات الترفيه حسب المنطقة والفئة المستهدفة، فمن المؤكد أن متوسط الدخل متطلباته تختلف عن طبقة أخرى مثلا، وكذلك فئة الشباب والأكبر سنا.. إلخ. ومن الجميل لو كان بين الهيئة وبين الغرف التجارية التي تمتد بامتداد الوطن تعاون في جانب رصد المرئيات وقيامهم بدور الوسيط في الاستقصاء. ولعل من المهم لهيئة الترفيه البدء في إجراء برامج ترفيه تجريبية في مناطق محددة بعد هذا الاستقصاء لتحديد إيجابيات ومعوقات التنفيذ. وأرى أن الاعتماد على برامج بكاملها متسنسخة من ثقافات أخرى قد لايكون مجدياً بقدر ما تكيف هذه البرامج لتناسب نتائج استقصاءاتنا.
كم هو جميل إدخال السرور على النفس البشرية المتعطشة لابتسامة، فساعة وساعة، أما دهرا ودقيقة فلا يتحملها القلب البشري الضعيف الذي يدهشه ما يرى خارج الوطن، ولسنا وحدنا في ذلك، فحتى ملكنا -حفظه الله- كان في قمة ابتهاجه خارج الوطن -حفظه الله- في حله وترحاله، فلماذا؟
أشياء بسيطة أستطيع سردها هنا دونما استراتيجيات، ومبنية على تلمس احتياجيات، ويمكنها إحداث تغييرات كبيرة، ولعلها «استشفافات» مما نراه في الخارج. فماذا لو قام أحدهم بتوزيع بطاقات تموينية على المنازل فيصحو الأهالي يوم العيد ليجدوها تحت أبوابهم؟ أو توزيع مبالغ نقدية للعائلات في الأسواق والمحال التجارية ليلة العيد؟ ماذا لو قامت شركة الكهرباء بتحمل تكاليف شهر رمضان لفئة معينة، وتحملت شركة الهاتف فواتير أيام العيد؟ ماذا لو وزعت المدارس عيديات عينية أو نقدية على الطلاب مبكرا وفي آخر يوم دراسي يسبق العيد؟ ماذا لو قام التجار بتوزيع ما تجود به أنفسهم من منتجات شركاتهم من سيارات مثلا بالسحب العشوائي على أرقام بطاقات الأحوال المدنية والاتصال بصاحب الحظ فقد تم ربط الهاتف بالبطاقة. ماذا لو أعفت البنوك المقترضين للقسط بمناسبة العيد؟
مهم جدا وجدا وجدا جعل الناس في حالة تأهب للفرح، فهذا من شأن دعم إيجابية التفكير، ونعول في ذلك على هيئة الترفيه، وننتظر بتفاؤل.