الانتقال إلى المحتوى  |  النسخة الكاملة

خمسة أبناء يستغلون «صك ولاية» ويصادرون 800 ألف ريال من والدهم.. ومصيره الشارع

التاريخ: 8/11/2012

الدمامحبيب محمود

سحبوا 800 ألف ريال من رصيده في يومين ووضعوا أيديهم على غنمه ووثائقه الرسمية.
16 شاهداً يؤكدون سلامته العقلية.. ومَطالب بإعادة النظر في القضية.
اللجنة الطبية أوصت بمراعاة اختيار الولي.. والمحكمة اختارت الابن الأكبر.

تحوّلت قضية «صك ولاية» إلى قضية عقوق وقع ضحيتها مسنّ في الثامنة والثمانين عاماً في مركز الثقبة في محافظة الخبر، وما إن صدر صك الولاية؛ حتى هرع الأبناء إلى تركة أبيهم «الحيّ»؛ واضعين أيديهم على غنمه وحديده.. وقبل ذلك على منزله الذي يؤويه. وما إن علموا بإيداعه 800 ألف ريال في حسابه المصرفيّ؛ حتى ركضوا إلى البنك، وبموجب صك الولاية نفسه سحبوا المبلغ كاملاً على ثلاث دفعات خلال يومين اثنين فقط.
وبدلاً من الالتزام بصكّ الولاية الذي أوكل إلى أحدهم الرعاية؛ تُرك الأب المسنّ للشوارع والمساجد وبيوت الأقارب متنقلاً بينها يأكل منها شفقةً وإحساناً. ولم يتبقَّ له من جميع ما يملك إلا عكّازه الذي يتوكأ عليه، ويُعينه على مراجعة المحاكم والشرَط والأجهزة الحكومية متظلماً مما يصفه عقوقاً من أبنائه.

مجنون.. عاقل

هذه هي القصة الموجزة جداً لعبدالله عبدالرحمن جوهر الدوسري، الذي لجأ إلى «الشرق» متعكزاً على 88 عاماً أمضاها في الكد والكدح، متنقلاً بين آحاد من الوظائف والأعمال الحرة، وخرج من سنوات النشاط بمنزل وقطيع أغنام وأطنان قليلة من حديد الخردة يتسبّب بها في كسب رزقه ورزق أسرته.. وجمع من كلّ ذلك مبلغاً لا بأس به، وحافظ عليه مثل أيّ أب في أواخر سنوات حياته.
لكنّ الصدمة باغتته من أبنائه الخمسة الذين بدأوا -حسب قوله- معركة خلافات ضدّه، لتتعقّد الأمور في وجهه بسرعة، وتُرسم له صورة شخص «مصاب باختلال في العقل وفاقد للأهلية». والأشدّ قسوة من هذا الوصف الذي أقرّه مجمّع الأمل للصحة النفسية في الدمام، هو أن ابنه الأكبر الذي يعدّه عاقاً هو الوليّ الشرعي المسؤول عنه وعن أمواله وممتلكاته. الابن الذي ربّاه هو رأس الحربة في معاركه، وهو الذي أصرّ على وراثته حياً، وهو الشخص الذي نجح في أن يُنظر إليه على أنه «مجنون».

أين أذهب..؟

ذهب المال والحلال ومصيره الشارع

في الثامنة والثمانين، معتدل الطول، في جسده انحناءة، ذو سمرة واضحة، تتقوس أسفل وجهه لحية بيضاء، ويرتدي نظارة، وغترة متكسرة. هذا ما بدا عليه الرجل من الخارج. وحين سرد قصته وبثّ شكواه فإنه بدا مثل أي متحدث آخر، عاقلاً متمكناً من شرح التفاصيل، لكن نبرة غضب مكسورة تغلب على صوته الجهوريّ.
«لا أعرف إلى أين أذهب، ولا أين أبات، ولا أين آكل».. قال ذلك بلهجة عامية، وباللهجة الدوسرية الواضحة أضاف «قالوا عني مخبول، سرقوا غنمي، وحديدي، وطردوني من بيتي، وسرقوا فلوسي من البنك، وزوّجوا ابنتي دون إذني».. و«كلما رفعت دعوى ضدّهم ردّوا عليّ بصك الولاية الذي حُكم فيها دون حضوري». هذا ما قاله حرفياً تقريباً، متهماً أبناءه بالتواطؤ ضدّه للاستيلاء على ممتلكاته وهو على قيد الحياة.
لجأ الدوسري إلى «الشرق» آملاً إيصال صوته إلى المسؤولين. كان متأبطاً كيساً ورقياً.. أخرج منه رُزمة أوراق.. معاريض شكوى، مذكرات مراجعة، صور صكوك، استدعاءات حضور، وثائق مصرفية. وبتصفّح الأوراق تزداد القصة تعقيداً وتشابكاً وحساسية. الرجل رغم كِبر سنّه صامدٌ في متابعة دعاواه ضدّ أبنائه. مصرّ على أنه عاقل تماماً، ولا يعترف بالتقرير الطبي الذي يصفه بذلك. ويعيد الاحتجاج بأنه راشد وقادر على إدارة شؤونه بسهولة. ويستدلّ «لو كنت مجنوناً وغير قادر على إدارة شؤوني لما استطعت مراجعة الأجهزة الحكومية والمحاكم في البحث عن حقي الضائع».. هكذا قال بنبرة واثقة.
تتكرر على لسانه كلمات «العقوق، الظلم، السرقة، النهب، الطرد»، كما تتكرر في معاريضه التي وجهها إلى مسؤولين كُثر. يأخذه الانفعال والحسرة فيذكر مفردات صعبة يقول إن أبناءه وصفوه بها.. «جرجروني أربعة أشهر في المستشفيات بدعوى أنني مريض وغير سويّ».. يضيف «استغلّوا كبر سني وضعفي.. فهل يصحّ أو أُورَث وأنا على قيد الحياة وأتمتع بصحة جيدة؟».

حُكم منقوض

في الأوراق صورة صك حكم «بدل تالف» صادر في 15/10/1429 عن المحكمة العامة في الخبر. تضمّن الحكم ردّ دعوى ابن عبدالله الدوسري التي رفعها مدعياً الجنون على أبيه طالباً الولاية عليه. لكنّ حكماً آخر صادراً في 25/7/1430 نقض هذا الحكم بناءً على تقرير طبي صادر عن الهيئة الطبية العامة في الدمام في 9/5/1429. وينص التقرير على أن الدوسري «في حالته الصحية الراهنة بحاجة للعلاج والمتابعة ويحتاج لولي يرعاه». لكن التقرير نفسه أوصى بـ«مراعاة اختيار من يرعى شؤونه نظراً لما لمسته اللجنة من خلاف عائلي».
وهذا هو مركز الوجع الذي يعذّب الدوسري، وهذا هو مكمن تساؤله واحتجاجه، فهو يرى أن المحكمة أقامت من يعدّه «ابناً عاقاً» وليّاً عليه، حسب قوله. و»لم تُراعِ توصية اللجنة الطبية وتشديدها على «مراعاة اختيار الولي». يضيف «الذي حدث بعد الحكم الأخير هو استغلال الصكّ للاستيلاء على حلالي كله، وطردي من بيتي وتشريدي في الشوارع».

سحب الرصيد في يومين

ويسرد الدوسري تفاصيل كثيرة تشير إلى تشابك الخلاف بينه وبين أبنائه الذين يراهم «عاقين». تفاصيل فيها أطراف متعدّدة في تنفيذ الإجراءات التي اتُبعت في التعامل مع طرفي النزاع، الأب وأبنائه. يبدو في بعضها نوعٌ من المبالغة التي يستخدمها المقهورون حين يتعرّضون لما يرونه ظلماً أو إساءة أو جوراً. تحدّث الدوسري عن آلاف من الريالات ووثائق رسمية سُرقت -على حدّ قوله- من منزله، تحدّث عن ضرب وشتم. وقد يبدو ذلك مجرّد ادعاء. لكنّ الدوسري قدّم معلومات دقيقة وعرض أدلّتها.
يقول الدوسري إن كل الإجراءات التي اتبعها أبناؤه ضدّه كان لها هدف واحد؛ هو وراثته وهو على قيد الحياة. لذلك سارعوا إلى تنفيذ هدفهم بمجرد تمكنهم من ذلك، حسب ادعائه. ويستدلّ على ذلك باستحواذهم على قطيع غنمه وحديد الخردة. والدليل الأقوى -حسب الدوسري- هو سحبهم كلّ السيولة المالية التي يمتلكها. الدليل الواضح هو «كشف حساب» صادر عن البنك السعودي الهولندي وحصلت «الشرق» على نسخة منه.
يقول الكشف إن 800 ألف ريال تمّ سحبها من الحساب بين 10 و11 من شهر أكتوبر 2009، السحب الأول بقيمة 3000 ريال، الثاني بقيمة 200 ألف ريال، والثالث هو الأكثر وضوحاً؛ عبر شيك مصرفي باسم ابنه الأكبر بقيمة 596 ألفاً و990 ريالاً. ولم يتبقّ من المبلغ الكامل إلا عشرة ريالات خصمها البنك عمولة إصدار الشيك المصرفي. وقد تمّت كل هذه العمليات المالية استناداً إلى صك الولاية الصادر من محكمة الخبر.
وصكّ الولاية لم يصدر إلا استناداً إلى تقرير طبي واضح. والدوسري لا يصدّق الصك، ولا التقرير الطبي. ويؤكد أنه إنسان عاقل وفي حالة معتبرة شرعاً. ويسانده في ذلك 16 مواطناً وقّعوا شهادة جماعية قالوا فيها إن الدوسري «يتمتع بكامل قواه العقلية وأنه من المداومين على الصلاة في أوقاتها ولم نلحظ عليه أي ملامح تدل على اختلاله عقلياً». وقد وقّع المواطنون شهادتهم في محاولة لإعادة النظر في القضية. خاصة أن أبناء الدوسري لم يحترموا أباهم، على حدّ تعبير أحد الشهود. فبعد أن حصلوا على ممتلكاته رموه في الشارع يتسوّل الطعام ويُشفق عليه الناس.

16 شاهداً

وقد تواصلت «الشرق» مع بعض موقّعي الشهادة للتثبّت من معرفتهم الرجل ورأيهم في سلامته العقلية، وفي القضية الشائكة بين الأب وأبنائه.
ويقطع مبارك عبدالرحمن عبدالله الدوسري بأن «الرجل عاقل وأصحى منّي ومنك»، صافّاً إلى جانبه في قضيته مع أبنائه الذين يعدّهم مبارك «عاقين». ويشهد مبارك بأنه رأى بعينيه أحد أبنائه وهو يحاول الاعتداء على أبيه في مرحلة من مراحل الخلاف.
أما العسكري المتقاعد فايز مبارك الدوسري، البالغ من العمر 65 سنة؛ فقد تحاشى الحديث عن خلاف الرجل مع أبنائه. لكنه قال «أعرفه منذ أن كنتُ في العاشرة من العمر، هنا في الشرقية وفي وادي الدواسر».. يضيف «منذ عرفته حتى الآن لا أرى فيه إلا رجلاً طبيعياً عاقلاً».
ومثله ماجد عبدالله الغامدي، وهو رقيب أول في القاعدة الجوية الذي قال «أعرفه منذ 14 سنة.. أعرفه معرفة تامة.. أكلت وشربت معه بحكم سكني السابق في حارتهم». ويشهد الغامدي بأن «الرجل عاقل».إضافة إلى هؤلاء هناك فيصل غانم الخالدي، الذي عرف الدوسري من أشهر.. يقول «تعوّدت مقابلته في المسجد، وهو حريص على أداء الفروض كلها جماعة، وحسب معرفتي به فإنه يميّز الناس ويتصرف كرجل عاقل تماماً».

صوت للمسؤولين

وقد لا تكون شهادة الشهود الـ16 أرجح من شهادة اللجنة الطبية التي أجرت الفحص وانتهت إلى تقرير بُني عليه حكم قضائي. لكن الشهادة تنبّه إلى حالة إنسانية تتلبس بتفاصيلها مأساة إنسان شارف على التسعين وليس له إلا الشارع ملجأً، بعدما رماه المكلّف برعايته، شرعاً وقضاءً، لعكازته.رواية الأب المكسور وشهادة الشهود وسيناريو الأحداث التي تلت الحكم بالولاية والوثائق، كلها، تتساءل: كيف يُصرّ ابنٌ على أن يكون وليّاً لأبيه فيخوض إجراءات قضائية لإثبات جنونه، ويقول مبرراً إصراره إن هدفه هو «القيام بجميع شؤونه وحفظ حقوقه».. وبعد أكثر من سنة من المراجعات القضائية ينال الابن حُكم الولاية؛ فيهرع إلى البنك ليضع يده على مال أبيه كله؛ ضارباً بالشق الأهم من الولاية عرض الجدار..؟!

يهيم في الطرق باحثاً عن مأوى (تصوير: علي غواص)

 

كشف الحساب يؤكد سحب 800 ألف خلال يومين

 

16 مواطناً شهدوا بسلامة عقل الدوسري

 

اللجنة الطبية أوصت بمراعاة اختيار الولي بصراحة