الانتقال إلى المحتوى  |  النسخة الكاملة

«نزاهة» وسلطتها المحدودة

الكاتب: رأي الشرق

الفساد ليس له هوية ولا وطن ولا دين ولا شيء من ذلك. الفساد جريمة تُوصَف ويُلاحق بها المتورط فيها بشخصه وصفته، بعيداً عن أي شيء آخر. وبلادنا، مثل أي بلاد أخرى، فيها الصالحون وذوو النزاهة، وفيها ـ بالمقابل ـ الطالحون والفاسدون ومنتهزو الفرص والمنقضّون على الحقوق.
ومثل أي دولة حديثة؛ أسّست المملكة عديدا من البرامج التي تكافح الفساد، عبر أجهزة مارست أدوارا رقابية تعاوناً مع المسؤولين والمواطنين والمقيمين. وفضلاً عن الإدارات القانونية في الوزارات والأجهزة، هناك ديوان المراقبة العامة وهيئة الرقابة والتحقيق والمباحث الإدارية. وعلى مدى عقود بذلت هذه الأجهزة جهدها في مكافحة الرشوة والفساد المالي والإداري، وسلّمت الأجهزة القضائية المهمات التي ترقى إلى مستوى المحاكمة.
بعد أدوار هذه الأجهزة، تأسست الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد التي واجهت ـ وتواجه ـ تحديات ضخمة في مكافحة الفساد وملاحقة الفاسدين وتقديمهم للجهات القانونية. ومن أبرز التحديات التي تواجهها الهيئة: تعقيدات توصيف الفساد ذاته، وتعاون المسؤولين، وتعاون المواطنين، وتداخل المفاهيم، فضلاً عن تحوّل المشاحنات والخلافات إلى قضايا كيدية يحتاج التحقق منها إلى زمن.
وما يجب أن يسير عليه عمل الهيئة؛ هو ألا تبقى وحدها في الساحة. لا بدّ من تعاون وطني أكثر جدية ودقة ومسؤولية واحتراماً لقيم الأمانة والنزاهة، بحيث يتحمّل كل مواطن مسؤوليته إزاء مواجهة الفساد أياً كان نوعه وحجمه ومصدره، وأن تُغلّب المصلحة الوطنية على كل مصلحة أخرى.
هيئة مكافحة الفساد لن تنجح في مجتمع يمارس «الفزعة» وتأويل المصالح على نحو يجعل من مساندة الفاسد أو الدفاع عنه سلوكاً نمطياً.
«نزاهة» لن تنجح بشكل مقنع وحدها، وسلطتها الرقابية المحدودة في «التحقق» لا «التحقيق» لن تساعدها على المواجهة الشرسة مع الفاسدين والمتهاونين والمصطفين وراء مصالحهم الضيقة. ومهما كان دور كوادرها كثيفاً ومتابعاً؛ فإن مقدمات العمل الرقابي يجب أن تؤول إلى نتائج حاسمة وجازمة وصريحة، بحيث يكون لهذا الجهاز الحيوي المهم، الهيبة الكافية والسلطة القوية.