الانتقال إلى المحتوى  |  النسخة الكاملة

متى سينهي القرار السياسي مأساة منعنا من «قيادة» السيارة؟

الكاتب: سهام الطويري

أعتقد أن رفع الحظر عن قيادة السيارة من شأنه الرئيس إنهاء سيطرة الحركيين بتياراتهم الاحتسابية على المجتمع خصوصاً أن قائد عمليات الإصلاح السياسي هو ذاته جلالة ملك البلاد خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله الذي أعطى النساء في بلادي حق التمكين السياسي لأول مرة بتاريخ البلاد من خلال التعيينات الوزارية والترشيح لمجلس الشورى. إلا أننا وبالعودة للتيارات الحركية التي تحاول اللعب على الأوتار السياسية نجد في الأحداث السياسية الأخيرة دأب التيار الإخواني بالاحتساب على السياسة الخارجية، تاركاً الاحتساب على السياسة الداخلية (قضايا المرأة) بيد التيار السروري لإثارة الفوضى وتقسيم فئات المجتمع بتخوينه لأهداف التمكن السياسي!
قبل أن نخوض مزيداً من التفاصيل أودّ أن نسترجع حسبما فهمنا كمتابعين ماحدث في المجلس قبل الإجازة خلال مناقشة تقرير الأداء السنوي لوزارة النقل للعام المالي الحالي، واستماعه لعدد من المداخلات المتعلقة بالتقارير المطروحة قبل انعقاد الجلسة ومناقشة التقرير المتعلق بوزارة النقل رفعت العضوات الثلاث لأمين المجلس توصية بـ «تمكين المرأة من قيادة السيارة حسب الضوابط الشرعية والأنظمة المرورية»، مشفوعة بدراسة عن المبررات الشرعية والنظامية والحقوقية والاقتصادية والاجتماعية الموجبة لهذا التمكين. عادة التوصيات لا تحتاج للتذكير بها من خلال المداخلة، إلا أن مداخلة د.هيا المنيع كما تبدو للمتابع جاءت من باب الحرص على التذكير والتنويه بما رفع من قبلهن، لتأتي من هنا تساؤلات عديدة:
-1 هل وزارة النقل كانت الجهة ذات الاختصاص؟ بعدما استلمت الأمانة التوصية من العضوات؟
الإجابة النظرية ترى أن تحال التوصية للجان ذات الاختصاص مثل المرور أو وزارة الداخلية، ولكن لعدم وجود لجان لهذ الجهات في الشورى ولا تقارير مرسلة منها كما هو معروف للمتابعين فإن أقرب لجنة ذات صلة بالموضوع عقلاً ومنطقاً هي وزارة النقل! أما مقاطعة معالي رئيس المجلس د.عبدالله آل الشيخ للعضوة ولفت نظرها إلى أن مداخلتها لا علاقة لها بالموضوع المطروح للنقاش، فلا محل لها من الإعراب ومن الغريب أن يذكرها المتحدث الرسمي في تصريحه طالما أن الأمانة العامة استلت التوصية المكتوبة لإحالتها للجنة النقل.
-2 حينما ترفع التوصيات والمقترحات من قبل الأعضاء للأمانة أي مسار تتخذ؟
عادة التوصيات المرفوعة للجان تأخذ أحد المسارين: إما أن ترفض مباشرة في حال ارتأت الأمانة العامة عدم اختصاص اللجنة بها فتعاد للعضو وقت انعقاد الجلسة، الذي بدوره قد يوجهها في وقت لاحق للجنة أخرى ذات اختصاص، أو تحيلها الأمانة العامة إلى اللجنة التي تملك بدورها أن تقبلها أو ترفضها لأي مبررات من بينها عدم الاختصاص، فإذا لم يسحبها مقدمها، ففي هذه الحالة يفصل نقاش المجلس في التوصية. والسؤال الذي يشغل بال المتابع مثلي أن توصيات عديدة محالة إلى اللجان من الأمانة العامة قد ترفضها هذه اللجان وتأخذ الأمور حينها مساراً إجرائياً روتينياً متعارفاً عليه في قواعد عمل الشورى. فلماذا لم تترك الأمور مع توصية العضوات الثلاث تأخذ هذا المسار الإجرائي المعتاد؟ ولماذا لم نسمع من قبل المتحدث الرسمي يخرج في تصريح حول توصية من التوصيات وما أكثرها!! لماذا توصية تمكين المرأة من القيادة من بين مئات التوصيات تحظى بهذا التصريح غير المهني؟؟ والذي أساء للشورى كمؤسسة قبل أن يسيء للعضوات وهن ممثلاتنا في المجلس.
إن خروج تصريح المتحدث الإعلامي بعد يومين من انعقاد الجلسة والذي أخذ وقتاً كبيراً في مقالات الرأي ظهر كما لو أن المجلس يحمي نفسه بينما من كان على مرمى النيران حقيقة هن مقدمات التوصية خاصة العضو د. لطيفة الشعلان التي لاحظ الجميع أن الهجوم السافر والقذف والشتم تركز عليها فقط دون زميلتيها من خلال الوسم الموضوع في تويتر باسمها! وهذا الانفراد بالهجوم على شخص واحد من بين مجموعة يشي بالشخصنة، وهو قصة أخرى في هذه الحروب القذرة على أية حال.
-3 هل هناك حروب حزبية داخل المجلس من شأنها تعطيل بعض المقترحات التنموية؟
إجابة هذا السؤال لا تزال ضبابية!
بالعودة إلى القضية التي تستعملها بعض التيارات المثيرة للشغب الاجتماعي منذ عقود كورقة رهان، لا يجدر أن تبقى قضايانا نحن النساء بأيدي ورغبات وأهواء ونوازع تيارات تزايد علينا في كل مرة تريد فيها التفاوض السياسي! ففي المقابل كل مقالات الصحف ترفع شعار التأييد للمطلب. إذن فلماذا تبقى هذه القضية معلقة؟ وإلى متى؟
عدم إنهاء هذه القضية يسيء لعدة مقامات مهمة في النظام الحكومي والديني والاجتماعي:
– المقام الأول سمعة الأمن والقضاء بالمملكة، فتصوير رفض قيادة المرأة للسيارة لأن الرجل سيتحرش بها ويغتصبها ويقتلها.. إلخ تعطي صورة ذهنية سيئة وهمية لعدم استتباب الأمن وتزعزعه في المملكة لأقصى درجة! فالبلد تضطرب بفوضى لعدم تفعيل الدستور المترجم عن الشريعة الإسلامية في تعاطيها الصارم مع جرائم السرقة والاغتصاب والتحرش ويوحي أيضاً أن المحاكم الشرعية لا تحكم بأحكام جزائية رادعة لهذه الأنواع من الجرائم، وهو إجحاف حقيقي بحق نعمة الأمن في وطننا وقوة القضاء السعودي وعدله الراجح.
– المقام الثاني قضية الاعتدال الديني في المجتمع، وذلك حينما تسيطر التيارات المتشددة على كل قضية تخص المرأة، الأحق أن الإسلام دين العدل وهو ما اقتضى مساواة المرأة بالرجل في جميع مسارات الحياة والانتفاع من كل ما يحقق لها العيش بحرية وكرامة واستقلالية بعيداً عن الاستعباد وانتهاك المحرمات.
– المقام الثالث سمعة الرجل السعودي، حيث يصور بأنه يلاحق النساء، لاتردعه قوة النصوص الدينية والأحكام لمن يسعى لانتهاك الأعراض والإساءة للمسلمات، ولاتردعه قيمه العربية الأصيلة في الذود عن المحارم والعفة والمروءة. وأنه يسعى إلى كل قول وفعل فاحش بذيء ضد المرأة حينما تبحث عن فرصتها للعمل أو السفر أو قيادة السيارة وغير ذلك من الفرص التي تجمع الشراكة العملية التكاملية بين الرجل والمرأة. وهي صورة سلبية جداً لا يرتضيها أي سعودي مسلم ولا يرضى أن تلتصق به، حتى من يسعى إلى صنعها!
ما أودّ قوله هو أنه في كل المجتمعات أي امرأة لا تنال حقوقها كاملة دون تهميش فإنها غريزياً أيضاً تندفع لعمل ما هو مخالف، وتتقبله للتعبير عن رفض الكبت في صور تنفيسية متعددة، لا يخفى عن مسامعنا في المجالس الاجتماعية قصص الابتزاز التي تعاني منها بعض المتزوجات «المدجنات»، والمطلقات على وجه الخصوص حينما ترغب على التقديم في وظائف يكون فيها مدير المنشأة أو الإدارة رجلاً شهوانياً مريضاً! استقلال المرأة وخروجها للمجتمع يعطيها مزيداً من القوة في الشخصية والثقة وارتفاع الإحساس بالمسؤولية تماماً كما الرجل، وأتمنى من المعارضين لما كتبت أن يرسموا لنا شخصية وسلوكيات الرجل فيما لو سلبت منه الاستقلالية والمسؤولية وعوقب بالنظر إليه من قبل النساء ككائن «داجن»!
لايخفى على مسامعنا أيضاً ابتزاز بعض الأقارب للمرأة حينما تعمل كموظفة فتراهن على ماتكسبه من راتب للاستمرار الوظيفي (كأن تطالب بقروض وشراء سيارات للزوج لتوصيلها) ولا يخفى عن مسامعنا أيضاً ماتعاني منه النساء من التحرش اللفظي حينما تضطر للركوب مع سائق الأجرة أو السائق القادم من السوق السوداء، وما تخفيه يوميات هيئات التحقيق والإدعاء العام عن الصحافة والإعلام المحلي أعظم. قضية قيادة المرأة للسيارة لاتهم كواليس منعها «الدواجن» من النساء والمعارضين أو المنادين للتحرش أو المترفين بالسائقين، ومن هنا أطالب بدوري أن يتم خفض سقف حرية هؤلاء في التعبير عن رفضهم اللامبرر لمطلبنا الشعبي لطالما أن الضرر يقع علينا ولا ينالهم ولا تبرر معارضتهم المتعنصرة للحزبيات نصوص الشريعة السمحة المتوافقة مع مصالح الإنسان والحياة، كما يجدر بمنع كل من تمتلك سائقاً قيادة السيارة خصوصاً الداعيات والناشطات المناهضات لحركة التقدم النسوي في المجتمع تخفيفاً للزحام.. أما من ينادون علنا بالإفساد والعبث في الأرض ضاربين بهيبة القانون وأنظمة الدولة القائمة عرض الحائط فالسجن والمحاكمة أيسر السبل وأولاها. لأن انتقاد الأنظمة الحكومية والتأليب على الدولة عند طرح أي قضية تتعلق بالمرأة كمواطن له الأحقية في المساواة يسعى إلى تقليل هيبة الأمن في الذهن، ومن ثم جدير بهم تجريب ومواجهة ضربات الأمن الحديدية قبل إثارة أي مطلب اجتماعي لا يختصهم. التبجح الصريح للإخلال بالأمن في المجتمع عند كل قضية تسعى فيها المرأة السعودية لتحسين أوضاعها الاجتماعية كالعمل في الأسواق أو السفر أو حتى قيادة سيارة يعد من قبيل الخيانة للوطن بل خيانة عظمى. المنتفعون يسعون إلى الإخلال ببنية التفكير الاجتماعي لعقود من الزمن حتى تتعطل كثير من الحقوق التي لا يستفتى عليها أصلاً وتحتقن الأنفس المطالبة بحقوقها! ومن ثم فإنهاء هذا الموضوع بقرار سياسي في عهد الملك عبدالله حفظه الله وهو المنادي دوماً بسياسة الإصلاح هو مانريده ونسعى إليه، ليس من صالحنا جميعاً تهميش وتمديد مدة اعتلاك موضوع قيادة المرأة السعودية للسيارة لعقود قادمة من الزمن.